• Visit Dar-us-Salam.com for all your Islamic shopping needs!
أضف تعليقك
VN:F 1.9.16_1159
Rating: 9.4/10 (5 votes cast)

 عادى بونابرت اليهود، لكنه كان أول مسئول كبير غربى ، فى العصر الحديث، نادى بوطن قومى لليهود فى فلسطين .

 لقد مرت الفكرة الصهيونية بمرحلتين ، أولهما ما قبل عام 1897، حيث كانت فى طور التكوين الفكرى . ومرحلة ما بعد عام 1897م ، عندما أخذت الصهيونية شكلها التنظيمى ، لتحقيق توصيات المؤتمر الصهيونى الأول ، المنعقد فى مدينة بال السوسيرية ، صيف عام 1897 . ومن هنا وجد بعض بناة الإمبراطوريات فى الغرب الاستعانة باليهود ، بإثارة الشعور الدينى لدى اليهود ، والرغبة فى " العودة الى فلسطين " ، لتدعيم مصالح الغرب فى المنطقة العربية . (1)

 نوقشت " المسألة اليهودية " ، إبان الثورة الفرنسية ، هل اليهود فرنسيون أم أنهم أمه داخــل أمه ؟ وعزف أعداء اليهود على وتر "الخطر اليهودى " ، وأن اليهود جسم غريب منبوذ ، يجب التخلص منه . وطرح آخرون اندماج اليهود ، وأعطائهم حقوقهم ، بشرط التخلى عن خصوصيتهم اللغوية ، والثقافية ، والاثنية ،  فى الحياة العامة . ليصبح اليهودى مواطنا فى الشارع ، يهوديا فى منزلة ، ومنعت الجامعة اليهودية من ممارسة بعض شعائرها ، فى عام 1793-1794، باعتبار هذه الشعائر لا تتفق مع العقل . (2)

قادة الثورة الفرنسية يكرمون اليهود 

 قامت الثورة البرجوازية الفرنسية ، عام  1792م ، ضد تحالف الكنيسة مع الإقطاع ، ومن شعاراتها " اشنقوا آخر  إقطاعي بأمعاء آخر قسيس " ،  نتيجة ظلم الكنيسة الكاثوليكية ، تعاونا مه الاقطاع ، تحالفت القوى التى تعرضت لهذا الظلم ، من أجل القضاء عليه ، ومن أبرز هذه القوى اليهود .
 مول الرأسماليين  اليهود الثورة الفرنسية، وساعدوا على نجاحها ، من خلال محافلــهم الماسـونية ، التى استطاعت أن تجعل شعاراتها هى نفسها شعارات الثورة الفرنسية ؛ " الأخاء، والحرية ، والمساواة " ، لمقاومة الحصار العنصرى الذى فرضته الكنيسة الكاثوليكية على اليهود ، وشعار "دعـــة يعمل ، دعة يمر " ، لمقاومة منع تنقل اليهود ، ووضعهم فى مجتمعات مغلقة (الغيتو ) * .

* الغيتو : مفرد "غتوات " ، وهى أحياء اليهود المسورة ، والمغلقى ، وقد عمت أقطار أوروبا كلها ، قبل أن تنهار تحت ضربات الثورة البورجوازية ، هنا وهناك .
ونتيجة لذلك أعطى قادة الثورة الفرنسية لليهود مكانة خاصة ، ومحوا عنهـــم آثار الاضطـــــهاد الكاثوليكى (3)  .
 بدأت الدبلوماسية الفرنسية ، منذ عام 1795 ، بإعادة الجسور مع الشرق ، فواصلت الجمعية التأسيسة  الجهود السابقة للنظام الملكى ، بتزويد فرنسا بمترجمين أكفاء ، عن طريق تأسيس مدرسة اللغات الشرقية الحية ، وفى العام نفسه جاء اعتراف السلطان  العثمانى بالجمهورية الفرنسية ، وقدم مشروعا للتحالف من قبل القائم بالأعمال ، فيرنينال ، فى عام 1896، وخلفه ، اوبير – دوبيس ،  مصحوبا ببعثته العسكرية والتقنية ، وهكذا حظيت  فرنسا بالصداقة العثمانية ، وأصبحت الظروف مواتيــــــة لبونابرت ، وحمـــــــلته (4) . ولكن من هو  بونابرت ؟ !
  
 ولد بونابرت ، فى 15 أغسطس/اب 1769 ، من أسرة تنحدر من أصل إيطالي ، فى مدينة اجاكسيو ، عاصمة مدينة كورسكا ، التابعة لجمهورية جنوى ، التى استولت عليها فرنسا ، 1768 ، أى قبل ولادة بونابرت بسنة ، فهو ايطالى الأصل ، فرنسى المولد .

  تلقى بونابرت دروسه الأولى فى مدرسة أجاكسيو ، ثم التحق بمدرسة بريين الحربية بفرنسا ، ثم مدرسة باريس الحربية ، عام 1784، وانتظم فى سلك المدفعية ، والتحق بالجيش بعد تخرجه . وابان الثورة الفرنسية انضم إليها ، وبعد أن اعلنت فرنسا الحرب على النمسا ، ثم على إنجلترا ، وهولندا ، وأسبانيا ، أحاطها الأعداء من كل جانب ، واحتل الإنجليز  طولون ، ميناء فرنسا البحرى ، على البحر الأبيض المتوسط ، عام 1793. وقد ظهر بونابرت نبوغه الحربى فى حصار طولون ، واسترجاعها ، وعينت الحكومة الفرنسية  بونابرت قائدا للجيش الفرنسى فى حرب إيطاليا ، 1796. (5)
 عاد بونابرت منتصرا من إيطاليا ، فى ديسمبر / كانون الأول 1797، وكانت حكومته قد عينته لقيادة الجيش المجمع على الساحل الإنجليزي ، تمهيدا لغزو الجزر البريطانية ، وبعد جولة تفتيشية سريعة فى مناطق تنفيذ الغزو ،  فى فبراير/ شباط 1798 ، كتب بونابرت تقريرا لحكومته عن نقص الموارد العسكرية والمالية ، نقصا شديدا ، وشدد بأن على فرنسا الاختيار بين ثلاثة ، عقد صلح مع انجلترا ، أو غزو هونوفا ، بدلا من الجزر البريطانية ، أو الاستيلاء على مصر ، فتقطع بذلك شريان الحياة بينها وبين الهند ، واستقر رأى حكومة باريس على الخيار الأخير   (6)  .
 قدر بونابرت موقع مصر الفريد ، فهو معبر مطل على البحر الأبيض ، النفاذ من جبل طارق ، الى الأطلنطي فالولايات المتحدة، كما تطل مصر على البحر الأحمر ، الذى يمكن وصله بالبحر الأبيض ، الذى يتدفق بمياهه ، جنوبا ، حتى يدخل الى بحر العرب ، عند عدن ، ويمتد الى المحيط  الهندى ، ثم إلى المحيط الهادى . وأيضا ، هو بلد على رأس أفريقيا وكتف آسيا  . أرضه تصلح بطبيعتها السهلة ، ومواردها الزراعية ، لأن تكون قاعدة لجيش كبير ، بأقل ، ويسكن ، ويستعد فى أمان .  فالاستيلاء عليها مقدمة ضرورية للتوسع الإمبراطوري ، الى الهند، ويتصدى لبريطانيا ، ويتحدى سيطرتها على التجارة ، والبحار  (7) . فاحتلال مصر كان يؤمن لفرنسا إمكانية تهديد طريق الهند عن طريق البحر الأحمر ، والخليج  العربى ، ويتيح لها أن تستعيد المواقع التجارية الراسخة فى بلاد المشرق ، وتعوض عن فقدان جزر  الأ نتيل ، التى احتلتها بريطانيا  (8) .

 أيقن بونابرت أهمية سوريا ، أيضا ، ورأى بأن اتصالها غير قابل للانفصال عن مصر ، فهما يشكلان زاوية  قائمة ، ضلعها الجنوبى مصر ، الذى يتأثر به بالعرض الساحل الشمالى لأفريقيا ، وبالطول الى الجنوب ، حتى منابع النيل ، وسوريا  ضلعها الجنوبى ، على حدود بلاد العراق ، وشبه الجزيرة العربية ، والخليج ، والطريق الى بلاد فارس ، والهند .  
 وعى بونابرت الدرس ممن سبقوه  من الفاتحين ، لأهمية مصر وسوريا ، فضلا عن التكامل بينهما الذى لو تحقق ، كما حدث من قبل خلال حروب الفرنجة ، قادر  على صنع قوة ذاتية ، تشجع على الانفلات من قبضته ، وتواجهة بما لا يتحسب له ، حيث أن كلا ضلعى الزاوية ، فى بحث مستمر عن الضلع الآخر ، بصرف النظر عن متغيرات الظروف ، والعصور .  هكذا تبلورت الرؤية الاستراتيجـية لبونابرت ، فلكى يحقق أحلامه كان علية أن يسيطر على الضلع الجنوبى لزاوية البحر الأبيض الشرقية ، مصر ، فأنزل جيوشه إليها ، ويؤمن سوريا ، الضلع الثانى ، وهو يزحف عليها . ولعدم التقاء الضلعين ، عربيا وإسلاميا ، فكان لابد أن يبحث عن مركز الزاوية ، وهى فلسطين ، ويزرع فيه جسما آخر ، ليس عربيا ، ولا إسلاميا ، فتفتق دهن بونابرت الى إنشاء " وطن قومى " لليهود ، يكون ضمانا إضافيا ، وجاءت ورقتة اليهودية تصورا للمستقبل ، ورؤية قابلة للتحقيق ، حتى بعد أن أصبح إمبراطورا لفرنسا ، كانت مصر  ، " وفكرة الوطن اليهودى " العازل ، لاتزال تدور بخلده ، فدعى ، سنة 1807، الى عقد مجمع يهودى فى سانهردين لكل يهود أوروبا ، ممثلين فى رؤساء طوائفهم ، وكبار حاخامتهم ، للم شمل اليهود ، ونص أحد قرارات المجمع على " ضرورة إيقاظ وعى اليهود الى حاجتهم للتدريب العسكرى ، لكى يتمكنوا من أداء واجبهم المقدس ، الذى يحتاج إليه دينهم " (9) .
 يعد بونابرت أول من دعا لإنشاء دولة يهودية فى فلسطين ،  فى العصر الحديث ، وأول غاز غربى للشرق العربى فى العصر الحديث .

 الجدير بالذكر أن بونابرت كان معاديا لليهود ، كما يدل على ذلك سجله فى فرنسا ، كما لايمكن الحديث عن وجود لوبى يهودى ، أو صهيونى فى  فرنسا ، وحين أطلق بونابرت دعوته ، بل كان ذلك نابع من إدراك بونابرت للمصالح الاقتصادية والاستراتيجية للبرجوازية الفرنسية (10) . حيث ورد فى مذكرات بونابرت التى أملاها فى منفاه ، سانت هيلين ، أنه حين عزم على تنفيذ مشروع حملته على مصر كان يقصد إنشاء دولة مشرقية كبيرة ، وينوى ، بعد توطيد مركزه فى مصر غزو الهند وقدر وصوله إليها ، شهر مارس/آذار 1800(11) .
 تعتبر حملة بونابرت على مصر ، التى أسماها "حملة النيل " ، بداية لعملية وراثة الخلافة العثمانية ، والزحف منها الى فلسطين ، والشام نادى بونابرت أنه الصديق الصدوق لخليفة المسلمين العثمانى ، وأنه الحريص على تثبيت سلطانة المهدد من المماليك فى الداخل ، أو الملوك المسيحيين فى الخارج ، ووصل به الأمر  الى حد ادعائه اعتناق الإسلام (12)  .
بونابرت فى مصر 

 فى 19 مايو  / آثار 1798،  أقلعت الحملة الفرنسية من ميناء "طولون" ، واستولى بونابرت على مالطة ، فى 1 يونيو/ حزيران 1798،  ودخل الإسكندرية ، فى 2 يوليو/ تموز 1798 (13) .  ومع أخذ بونابرت بتحذير فولنيى ،  إذا أراد الاستقرار فى مصر ، فان عليه شن ثلاثة حروب ، الأولى ضد إنجلترا ، والثانية ضد الباب العالى ، والثالثة – وهى اصعبهم – ضد المسلمين . الأ أن بونابرت قرر محاولة اجتذاب المسلمين ، بدلا من محاربتهم ، وذلك قبل أن يقلع بونابرت بحملته ، فجهر بونابرت بعقيدته الدينية ، عندما أصدر بيانا ، وقت نزوله من السفينة فى الإسكندرية ، جاء فيه ، بعد البسملة والتوحيد بالله ! ، انه من طرف أمير الجيوش الفرنسية بونابرت ، الذى جاء ليخلص حقهم من الظالمين ، المماليك ، وليس للقضاء على دولتهم ودينهم ، وهو يحترم الدين الإسلامي والنبى (ص) والقرأن الكريم .

 توجة بونابرت الى القاهرة ، بحملته ، التى حرص على إضفاء البعد العلمى والفنى عليها ، فجاء مع الحملة بحوالى 167 مدنيا ، علماء فى الرياضيات ، والفلك ، والعلوم الطبيعية ، وهندسة المناجم ، والهندسة المدنية ، والمعمارية ، والإنشائية ، والجغرافيا ، والرسم والنحت ، فضلا عن فنيين بارود ومتفجرات ، وأدباء ، وسكرتارية ،  ومترجمين ، وشئون صحية ، كما حمل الجيش معه مواد للطباعة بثلاث لغات ، الفرنسية ، والعربية ، واليونانية ، ومهملا كيميائيا ، ومكتبة فيزياء ، ومكتبة تاريخ طبيعى ، ومرصد وتجهيزات كاملة لصناعة المناطيد ، ولقيادتها .

 بوصول بونابرت إلى القاهرة فى24 يوليو/ تموز 1798 ، أصدر بيانا رسميا باللغة العربية ، جاء فيه ." يا أيها المصريون ، أننا حضرنا بقصد إزالة المماليك ، الذين يستعملون الفرنساوية بالذل والاحتقار ، وأخذ مال التجار ،  ومال السلطان . أما المشايخ ، والعلماء ، وأصحاب المرتبات ، والرعية ، فيكونون مطمئنين وفى مساكنهم مرتاحين " (14) .

 يتضح أن رسائل بونابرت الإسلامية هذه حيلة سهلة لخداع المصريين جميعا ، العامة ، والعلماء من مشايخ الأزهر، وتم خداعهم ،  بالفعل ، وصدقوه ، ربما لضيقهم من حكام المماليك ، أو لعجزهم عن حماية ديار الإسلام ، وديارهم . فقد كتبت تلك الرسائل الإسلامية ، وطبعت مع الرسالة الخاصة باليهود ، وطبعت جميعهم قبل أن تقلع الحملة الفرنسية من موانيها ، وحرص بونابرت على عدم إعلانه عن الرسالة الموجهة لليهود ، ألا عند دخوله فلسطين ، لكى لا تؤثر على رسائله للمسلمين (15) 
حملته على فلسطين  

 ظلت فلسطين ، منذ فجر التاريخ ، مطمعا لجميع الفاتحين ، والمستعمرين ، سواء كـانوا  آسيويين ، أوغربيين ، كالاسكندر ر ، وبومبى ، وغودمنرى ، وقلب الأسد ، وبونابرت (16)  .

 تعتبر تلك الحملة بداية تنفيذ استراتيجية بونابرت ، التى جاء  من أجلها ، حيث الوصـول للهنــد ،  ودعم العناصر الثائرة على الحكم البريطانى هناك ، وانزال الهزيمة فى أثمن جوهرة فى إمبراطورية عدوته ، بريطانيا ، وأيضا التوغل فى أملاك الدولة العثمانية ، والسيطرة عليها ، ثــم القسطنطينية ، والبلقان ، والنمسا ، فيهزم الدول المتألبة ضد فرنسا ، حتى يصل الى باريس . 

 ثمة أسباب أخرى ظاهرة ، أعاد بها بونابرت ، حملته على فلسطين ، عندما حاصره الأسطول الإنجليز ، وتحالف العثمانيون مع الإنجليز ، واحتلت جيوش العثمانيون العريش ، بقيادة  أحمد باشا الجزار ، هنا كانت الذريعة الفرنسية ، صد الجزار وجنوده عن الأراضي المصرية .

 جمع بونابرت زعماء البلاد المصريين ، واخبرهم بطريقته اللبقة ، أنه ذاهب ليحارب إبراهيم بك واتباعه فى سوريا ، دون السلطان ، وحذرهم من أعمال الشغب ولوح لهم بعقابه الشـــــــــــــــــديد ، لو حدث ، ومكافأته لهم ، إذا اخلدوا للسكينة ، وأصدر بونابرت منشورا باللغة العربية ، يقضى بالعفو عم المذنبين فى ثورة القاهرة الأولى ، وأمر بإعادة الديوان الخصوصي ، لتسهيل مصالح الشعب (17) .

 توجه بونابرت بحملته إلى فلسطين ، بعد انتصاره على المماليك ، ودخوله القاهرة ، فى 21يوليو/تموز 1798 ، والقضاء على ثورتها ، فى 21 أكتوبر/تشرين الأول 1798 . تألف الجيش الفرنسى المتجه إلى فلسطين ، بقيادة بونابرت ، من أربع فرق : فرقة الجنرال كليبر ، وتضم 1499 مقاتلا ، وفرقة الجنرال بون ، وتضم 2449 مقاتلا ، وفرقة الجنرال لان ، وتضم 2924 مقاتلا ، وفرقة الجنرال رينية ، وتضم 2160 مقاتلا ، يضاف إليهم 800 عنصر من الفرسان ، بقيادة الجنرال مورا ، و320 من سلاح الهندسة ، بقيادة الجنرال كافاريلى ، 1385 من سلاح المدفعية ، بقيادة الجنرال دومارتان ، فضلا عن 400 الإدلاء ، الراجلين ، وراكبى الخيول ، و88 من الهجانة ، وبلـــــغ مجــمــوع رجـــــــــال الحملة 12945  مقاتلا (18) .
 
 ادعى بونابرت ا إهانة الجزار لمبعوثه الذى عرض عليه إقامة علاقات حسنة بين الطرفيين ، وتحسين التجارة بينهما ، فأرسل بونابرت فرقة ،استطلاعية ، فى 30 يناير/كانون الثانى 1799 ، بمهمة استطلاع . وأعدت قافلة من 1500 جمل ، لحمل المؤن من القاهرة ، وأمر فرقة كليبر بمغادرة دمياط إلى قطبة ، وأعد أسطولا من السفن فى الإسكندرية ، لنقل مدفعية الحصار الثقيلة ، التى  استولى عليها الإنجليز ، فيما بعد ، قرب يافا . احتل بونابرت قطية ، لتوفير المياه ، ثم اتجه إلى العريش ، التى تشكل نقطة الحدود بين مصر وبلاد الشام ، التى أقام فيها الجزار ،  حامية من 1500 مقاتل من الممــــــــاليك أو المصريين ، والمغاربة (19)  .

 كان كليبر وفرقته طليعة الجيش الفرنسى ، تسللت كتيبة من فرقته إلى معسكر العريش ، فقتلت خمسمائة من الأهالى  والجنود ، وهم نائمين فى ليلة رمضانية بالسلاح الأبيض ، وآخذو  باقى الأهالى أسرى ، بعد أن استيقظوا من نباح كلاب المعسكر  . ولولا ذلك لذبحوا جميعا . ويصف بونابرت هذا الهجوم بأنه أجمل العمليات الحربية التى يتصورها العقل ! (20) .

 احتل كليبر ورينه العريش عدا قلعة العريش ، وفى 10 فبراير/شباط  1799 ، استقل بونابرت بعض السفن ، وضم إليها 20400 مقاتل ، ودخل العريش ، وأصدر منشورا ، أعلن فيه صداقته للعثمانيين ، وحرصه على بقاء المسلمين ، ومساجدهم ، بعيدة عن الاعتداء ، ويطلب مساعدة السوريين له ، واتبعه بمنشور آخر للمصريين ، أخبرهم بمثول العريش له ، وأنه أغتنم منها أرز ، وبقسماط ، وشعير ، وثلاثمائة راس من الخيل ، والجياد ، والجمال (21) .

 بعد سبعة أيام من حصار العريش ، وجرح وقتل مائتين وثلاثمائة من الفرنسيين ،  التحق 400 من المغاربة الأسرى بجيش بونابرت ، وجرد الباقى من السلاح ، وأرسلوا إلى مصر  . ثم تبدل ترتيب الفرق فيما بعد العريش ، فأصبحت فرقة كليبر فى المقدمة ، يرافقها الفرسان ، بقيادة موار ، لاحتلال خــان يونس ، التى تبعد عن العريش نحو ستين كيلو مترا ، فى 22 فبراير/ شباط ، وصلهم بونابرت ، فى اليوم التالى ، وبقيت فرقة رينية فى العريش  ،لحملة مؤخرة الحملة ، وتسير  على مسافة يوميين منها . والجدير بالذكر أن عددا من الجنود توفوا ، بسبب صعوبات اجتياز الصحراء ، وضل كليبر الطريق ، فوصل بعد بونابرت ،  واستسلمت خان يونس ، بدون قتال (22) . 

 سار   بونابرت إلى غزه ، مفتاح فلسطين الجنوبى ، وكان الحر  مخيفا ، والرياح العاتية تلفح الوجوه ، وقلت المياه ، وتعب الخيل والجنود ، وبدأت روح التمرد والعصيان تبث فى الجنود ، حتى اجتازوا الصحراء ، أو تغير الجو ، وهطلت الأقطار ، فأصيب كثير من الجنود بالأمراض (23) .

 دخل جنود بونابرت إلى غزه ، ففر منها المماليك وجنود الجزار ، بعد مقاومة قليلة ، بعدها أحتل كليبر  بندر غزه ، بدون معارضة له ، واستولى على ما وجدة من ذخائر ، وبارود ، وطعام . وأرسل الفرنسيون فرمانا مكتوبا من غزه  إلى أهل مصر ، لإخبارهم بذلك . وفى الوقت نفسه وجه بونابرت إلى أهالي الشام فرمانا ، عند دخوله غزه ، يبرر  فيه حملته على فلسطين " بقصد طرد المماليك وعسكر الجزار عنكم " . ومنح بونابرت للأهالي الأمان ، وطالبهم بالعودة إلى أعماله ، وحفل فرمان بونابرت هذا بالمفردات الإسلامية ، حتى وصل إلى حد أن الله " يعطى النصر لمن يشاء " (24) .

 أقام بونابرت إدارة محلية من الزعماء المحليين ، إلى جانب الحامية الفرنسية  فى غزه ، وذلك بعد أن تخلى حاكمها ، عبد الله باشا ، وفرسانه الألفان عن الدفاع عن المدينة ، وانسحاب مماليك إبراهيم  بك إلى يافا .

 فى 1 مارس / آذار وصل كليبر وفرقته قرية اسدود ، ثم قرية بنية ،   قبل وصولها إلى الرمله ، فى 2 مارس/آذار ، ووجد الفرنسيين فيها مؤنا كثيرة ، ومعدات ، تركها المدافعون ، الذين ارتدوا إلى يافا . وكان الهدف من احتلال الرمله حماية مؤخرة الفرنسيين ، حين حصار يافا ، والتحكم فى طــــــريق الرمله – القدس التجارى ، الذى يربط بين القاهرة ودمشق ، ولاحكام الحصار من تلك الجهة ، لذلك ترك كليبر رينيه فى الرمله (25) .

 دخل جنود بونابرت مدينة الرمله ، ومدينة اللد ، بعد أن هرب منهما جنود الجزار ، ووجد فيهما مخزون كبير من البقسماط والشعير ، ورأوا فيها ألفا وخمسمائة قرية مجهزة (26) .

 فى 3 مارس/ آذار وصل بونابرت يافا ، وهاجمها ، بسرعة ، ليؤمن الاتصال البحرى عن طريقها ، مع دمياط ، والإسكندرية ، فتوجهت فرقتي الجنرالين ، لان،  وبون ، إلى الشرق ، والجـنــــوب من المدينة ، ورابطت فرقة كليبر عن نهر العوجا شمالى يافا بثمانية كيلو متر ، لقطع الاتصال مع عكا (27)  .

  تمت محاصرة يافا من جميع الجهات ، وأرسل بونابرت إلى حاكمها بأن يسلم القلعة ، قبل أن يحل بها الدمار ، وفى اليوم التالى أمر بونابرت بحفر خنادق حول سور المدينة ، وعمل متاريس أمنية ، وحصارات متقنه حصينة  ، ونصب مدافعه بجانب البحر لمنع الخارجين إليهم  من مراكب الميناء . رأت حامية يافا المتآلفة من أربعة آلاف مقاتل الكائنون بالقلعة ، أن جنود بونابرت قلائل ، لاختبائهم فى الخنادق ، وخلف المتاريس ، فخرجوا لهم جنوده ، وقتلوا منهم عدد كبير من تلك الواقعة . أرسل بعدها بونابرت خطابا إلى حاكم يافا ، أخبره فيه بأن حضوره إلى يافا أنما جاء لاخراج الجزار وجنوده منها لتعدية على أرض مصر بإرسال قواته إلى العريش ، وأخبره ، أيضا بمحاصرة يافا من جميع الجهات بالمدافع ، وامكان الفرنسيين دخولها فى خلال ساعتين ، وخوفه على الأهالى من بطش الجنود ، وسطوتهم (28)  . أرسل بونابرت إلى الجزار ضابطا تركيا لتسليمه المدينة ، فقتله الجزار ، هو والدليل ، ورفع رأسيهما على الحراب فوق السور ، فهاج بونابرت لهذا التحدى ، وكان قد ضاق ذرعا بهجمات فرق المغاوير  العرب من خلف الأسوار ، فشن هجوما كاسحا ، دخل على أثره المدينة ، واحتلها ، واستباح فيها كل شئ (29) .  برغم سقوط يافا ، بعد عدة ساعات من الهجوم إلا أن الفرنسيين استمروا يقتلون بوحشية الأهالى ، والشيوخ ، والنساء ،  والأطفال الرضع ، والصبيان ، المسلمون ، والمسيحيون ، وازدادت شراستهم كلما سمعوا صرخات الاستغاثة ، فعمدوا إلى اغتصاب الفتيات أمام أمهاتهم ، وواصلوا الغدر بالجنود ، حيث وعدوهم بأن يعاملوا كأسرى حرب ، فقام ثلاثة آلاف جندى بتسليم سلاحهم ، ومنهم مغاربة ، وسوريون ، وفلسطينيون ، وأتراك . وكان هؤلاء الأسرى يشكلون مشكلة لبونابرت فى طعامهم ، وحراستهم ، فهل  يطلق سراحهم فينضموا إلى عكا ، وسرعان ما انتهى تردده ، وأصدر قرارة بإعدامهم جميعا ( ثلاث آلاف عربى )  ، وصف أحد المواطنين الفرنسيين تلك المذبحة ، فى خطاب لأمــه ، قال فيه : أخذ الجنود المغاربة لشاطئ البحر ، وقتلوهم رميا بالرصاص ، وكان أملهم فى النجاة هو أن يلقوا بأنفسهم فى البحر ، والهرب بالسباحة ، فضربوا بالرصاص على مهل ، وسبحت جثثهم فى بحر دمائهم ، حتى القليل الذين وصلوا بعض الصخور ، صدرت الأوامر بالذهاب إليهم فى قوارب ، والإجهاز عليهم ، دون الإسراف فى الزخيرة ، فبلغت بهم الوحشية أن قاموا بطعنهم بالسونكى ، وكان من ضمن الضحايا أطفال كثيرون ، تشبثوا وهم يموتون بآبائهم ، صنه الأحياء من الأسرى متاريس من جثث رفاقهم ، الذين استشهدوا ، لتحميهم من طعنات السونكى "! .

 بعد خمسة أسابيع من تلك المذبحة ، طوق جيش والى دمشق قوات كليبر ، فى جبل طابور ، جنوب بحيرة طبرية ، واستمر يحاصره عشر ساعات ، حتى كادت ذخيرتة تنفذ ، واستبد العطش بجنود الفرنسيين لكن بونابرت أنقذ قوات كليبر ، بفرقه ، قادها بنفسه ، وأطلق المدافع ، فبدأ جيش والى دمشق بالانسحاب ليتوقى المدفعية ، فأصبح هدفا سهلا لجنود كليبر ، الذى أمرهم بمطاردته ، فخاضوا البحيرة ، لا ليشربوا ، ولكن ليقتلوا . وكتب أحد الجنود الفرنسيين فى مذكراته :" كنا نموت ظمأ . ولكن ظمأنا للانتقام ، أطفأ ظمأنا للماء ، وألهب ظمأنا للدماء ،  فخوضنا مياه البحيرة ، ولم نعد نفكر فى الشراب ، بل فى القتل ، وصبغ البحيرة بدماء هؤلاء الهمج ، حتى امتلأت بجثثهم "!.

 فى ذلك الوقت طبع بونابرت منشورا لأهل فلسطين قال فيه " وسيكون الدين على الأخص موضع الحماية ، والاحترام ، لأن جميع الطيبات من عند الله … والنصر من عند الله ",. فيما أثمرت جثث أهل يافا المتعفنة فى شوارعها ، ومتاريس جثث الجنود الأسرى التى ظلت على الشاطئ وأسفل جبل طابور ،  عن مرض الطاعون ، الذى ما لبث أن كان من أهم أسباب هزيمة بونابرت وجنوده ، تحت أسوار عكا . (30) 
 أعاد بونابرت المصريين ، الذين كانوا فى يافا ، بعد أن فشل فى ضمهم إلى الجيش الفرنسى  ، وكان بينهم السيد/ عمر مكرم ، الذى هاجر إلى يافا ، بعد معركة الأهرام (31) .
بونابرت وفكرة الوطن القومى
 لم يهمل بونابرت القدس ، بل كانت فى حسبانه ، وقد نظر إليها من الوجهة العسكرية ، وليس الدينية ، فطلب من حامية القدس تسليمها ، فأجابته بأن  مدينه  القدس تابعه لعكا ، فمتى فتحــها تسلم إليه (32) . 

  الجدير بالذكر أن بونابرت ربط بين الوطنية ، السباق الاستعماري ، المسألة الشرقية ، المسألة اليهودية ، إذ أن يهود العالم موزعين ، والحديث عن " العودة إلى فلسطين " نداء يتردد على لسان الحاخامات ، بين حقبة وأخرى ، ربما مرة كل ثلاثين أو أربعين سنه ، ولم يؤخذ هذا النداء مأخذ الجد ؛ لان العودة خلط متعسف للأسطورة بالتاريخ ، لكن المسألة اليهودية ، فى القرن التاسع  عشر ، أخذت على محمل آخر ، فهى ذلك الاضطهاد الواقع على اليهود فى أوروبا ، وكانت موجات الهجرة من الشرق هى النقطة الحرجة من " المسألة اليهودية " ،  فلا مسيحيو الغرب يريدونهم لضيق صدورهم باليهود المقيمين فى بلادهم ، كما أن يهود الغرب أنفسهم يرفضون وجودهم أكثر من المسيحيين ، فهم نجحوا بالكاد فى صرف الأنظار عن وجودهم ، وتلك الهجرة سوف تثير حساسية أوضاعهم مع المسيحيين مرة أخرى . ومن هنا بدأ بونابرت يأخذ عدة خطوات ، استغل فيها شغف اليهود ، وتدهور حالهم فى أوروبا ، وربط بين ذلك وبين قضايا القرن ، لتنفيذ إستراتيجية وأطماعة الاستعمارية . مستعمل ظاهرة " الوطنية " فى إيقاظ الوعى لدى اليهود ، فى حق تقرير مصيرهم ، وطالبتهم " بوطن قومى " ، ينقذهم من الشتات ، ويريح أوروبا من عبء الهجرة المتدفقة اليها من يهود شرق أوروبا . كما عزف بونابرت على الوتر الدين اليهودى وأساطيره ، لتكون فلسطين وطن اليهود المختار ، من أملاك الخلافة العثمانية الواهنة ، ويتسابق الكل على ارثها . ان نشأت دولة يهودية برعاية فرنسا فى فلسطين ، تكون نقطة البداية ، لتنفيذ خطة السيطرة على قلب الخلافة العثمانية ، قبل أن تنتبه القوى الأخرى ، وتتحرك إليها (33)  .
بونابرت رائدا
 
 يعد بونابرت أول رجل دولة ، فى العصر الحديث ، يقترح إقامة دولة يهودية فى فلسطين ، قبل وعد بلفور بـ  118 ، بل إن الرمز الصهيوني حاييم  وايزمان وصف بونابرت بأنه " أول الصهيونيين الحديثين غير اليهود ". اختار بونابرت الوقت المناسب للاعتراف بحقوق اليهود ، وذلك لخدمة مصالحه فى حملة على الشرق . ففى ربيع عام 1799، وهو على أبواب عكا ، أصدر بيانا طلب فيه من يهود أفريقيا واسيا أن يقاتلوا تحت لوائه ، لاعادة  إنشاء مملكة القس القديمة (34) . ثم أظهر بونابرت ورقته  اليهودية   أمام أسوار القدس ، نداء إلى يهود العالم ، تم توزيعه فى فرنسا ، وإيطاليا ، والأمارات الألمانية ، وأسبانيا ، مما يثير إلى أن القضية ليست ظرف محلى واجهه بونابرت عند أسوار القدس . ورغم أن بونابرت لم يكن يهوديا ، ولا مواليا لليهود ، فلم تكن ورقته اليهودية ونداءه  ليهود العالم من خارج أسوار القـــدس أكذوبة ، كحال ورقته الإسلامية ، التى وجهها للمصريين ، إبان دخوله بحملته إلى مصر فعدد من وجه إليهم ورقته الإسلامية يفوق المليونين ، فى استطاعتهم أن يجعلوا مصر مصيدة لجيوشه ، وليــــــس رأس جسر ، لذلك كانت ورقته خديعتهم .

 أما ورقته اليهودية فتختلف ؛ لأن اليهود فى فلسطين لم يزد عددهم عن 1800 شخصا ، طبقا لتقرير مرفوع لبونابرت من ضباطه ، منهم 13 فى مدينه القدس ، لم يكن فى مقدورهم أن ينصروه ، ولا أن يخلوه ، لذلك لم تكن ورقته بونابرت لليهود أكذبه ، او خدعة سياسية ، على غرار ورقته الإسلامية ، بل هى رؤية لإمبراطور يملك حسا استراتيجيا نابها وبعيدا (35) .   

 جاء نداء بونابرت ليهود العالم على أنه من القائد الأعلى للقوات المسلحة للجمهورية الفرنسية فى إفريقيا واسيا إلى ورثة فلسطين الشرعيين ، وأنهم الشعب الفريد ويحثهم على التمسك بوطنهم القومى فهذا هو الوقت المناسب لذلك وأن العناية الإلهية ترعاهم وأرسلت إليهم بونابرت لكى يحقق لهم حلم أجدادهم فى استعادة  أرضهم المغتصبة من الآلاف السنيين ….. الخ  (36) .   

 لم تكن هذه الورقة اليهودية هى أول نداء ليهود العالم من أجل أخذ " ارثهم الفلسطيني " المزعوم ، بل سبقتها ورقة غير رسميه أخرى عشية حملة بونابرت إلى الشرق ، هيأت الساحـــة لتـــك الورقة ، انتشرت بين اليهود الإيطاليين ، الذين اعتبروا بونابرت " محررهم العظيم " وتضمنت الورقة غير الرسمية خططا منفصلة عن بعث اليهود كأمه . وظهرت الرسالة مطبوعة فى فرنسا وإنجلترا ، حيث كان ممثلو الرأسمالية الإنجليز يرقبون حملة بونابرت ، والغيرة تملأ قلوبهم ، ويلقون بالتبعية على الساسة الإنجليز ، لإضاعة الفرصة من أيديهم . وفى إبريل/ نيسان عام 1798، نشرت إحدى الصحـــــــف الفرنسية رسالة عبرت عن قناعتها بأن اليهود سيدعمون فرنسا فى فلسطين ، لتحمل نفقات الثورة فى سوريا ومصر . ولعل من الأهمية بمكان أن مقدمة البيان خاطب اليهود ، بشكل مباشر  على أنهم " الورثة الشرعيون لفلسطين ". ما أعاد إلى الأذهان نبوءات ( أشعياء، ويوئيل ) التوارتية ، عن عودة اليهود إلى صهيون " . والأهم من ذلك أن الرسالة غير الرسمية تحدثت عن حدود دولــــــة إسرائيل المقترحة بعبارات تجارية أكثر منها توراتية :- أن الدولة التى تنوى إقامتها ستشمل ، بالاتفاق مع فرنسا ؛ " مصر السفلى ، بالإضافة إلى منطقة يحدها خط يمتد من عكا إلى البحر الميت ، وهذا الموقع الذى يعد أكثر المواقع فائدة فى العالم سيجعلنا ، عن طريق السيطرة على ملاحة البحر الأحمر ، سادة تجارة الهند ، والجزيرة  العربية ، وجنوب وشرق إفريقيا ، والحبشة ، وأثيوبيا " (37)  .

 أراد بونابرت كسب ولاء اليهود ، لتمويل حملته المتجهة إلى الشرق ، فهؤلاء اليهود قدموا قروضا مالية للحكومة الفرنسية ، وهناك أيضا ، حاييم فارحى ، اليهودى الذى يمثل العصب المالى والتموينى لمدينة عكا (38)  .

 فلم يسع بونابرت لحل القضية اليهودية ، بدافع من حبه للآخرين ، ولم يكن يريد إنشاء " وطن قومى " لليهود ، بل لأن مثل هذه الدولة تنسجم واهتمامه السياسى ، وتعد من أهم الركائز  الأساسية لتنفيذ استراتيجيته ، وخططه الاستعمارية لدول الوطن العربى .  لكن السؤال ؛ هل اليهود كانوا يدركون ذلك ، وهل حاولوا هم ، أيضا ، استغلال احتياج بونابرت لهم ؟  .    

حصار عكا : 
 
 بعد أن ألقى بونابرت بيانه التاريخى ليهود العالم ن على أبواب القدس ، توجه بجنــوده إلى عكا ، لمحاصرتها ، فهى العاصمة ، والقلعة ، ورأس الجسر ، الذى يعبر منه لتكملة مسيرته الاستعمارية ، لكن هيهات أن يحقق حلمه ، وهناك ذلك الجزار ، الذى ولد سنة 1735 فى بلاد البوشناق ، فهو نصرانى ، بالولادة ، اقترف وهو صبى ، جرما أخلاقيا ، فر ، على أثره ، إلى القسطنطينية ، وباع نفسه إلى نخاس يهودى ، وسمى نفسه أحمد ، وانتهى به الأمر مملوكا عند على بك فى القاهرة ، الذى عينة جلادا . وقد اظهر أحمد من التفنن فى إنفاذ مهمته ، ما أكسبه لقب " الجزار " ، وكان شديد التفاخر بهذا اللقب ، حريصا على أن يكون جديرا به (39)  . اتبع الجزار سياسة إلقاء الفتن بين المشايخ والأمراء ، وكان طائش السيف ، ظالما ، فسخط عليه عامة الشعب ، والحكام فى مصر ، ففر إلى الأمير يوسف الشهابى فى سوريا .

 وفى سنه 1770 قام بتحصين مدينة بيروت ، ومنع أهل جبل لبنان من دخولها ، وأزمع على العصيان ، ففطن لذلك الأمير يوسف ، وهم بأن يبطش به ، إلا أن الجزار خضع له ، وأطاعه ، ثم جاهر بالكفران عليه ، وغلبه ، كما أزال أمارة على بن ظاهر العمر ،  بقتله ، واستحوذ الجزار على ما كان يملك العمر وأهله من المقاطعات ، واتخذ من عكا عاصمة له ، وبنى عليها سورا ، وجامعا كبيرا  (40)  .  أصبح الجزار صاحب النفوذ الأول فى سوريا ، عدا حلب ، وتولى أمارة الحج . ولكن لقسوته تعرض لعدة ثورات ، منها ثورة الأمير يوسف ، الذى أنضم إليه الدروز ، والثوار ، وانتصروا ، فى البداية ، ثم سرعان ما هزمهم الجزار (41) . وما فتئ الجزار يقتل ، ويذبح ، ويثير الفتن بين المشايخ حتى زادت ثقة الدولة العثمانية به ، واعتمدت عليه ، فازداد بطشا وإرهابا للناس (42) .

  استمر الجزار فى القضاء على خصومه ، ومنافسيه ، بلا رحمة ، ولا شفقة ، ولا يزال اسمه مرادفا للقسوة البالغة .  فقد ذكر ميخائل شاقة * ،  أن جده ، الذى كان موظفا فى الحكومة شاهد يوما ، أكثر من أربعين رجلا يصفون خارج أسوار المدينة ، لينفذ فيهم حكم الإعدام ، بالخازوق ، أورد المؤرخ نفسه أن الجزار أرتاب يوما ، بعد رجوعه من الحج ، بتصرف حريمه ، وعددهم 37 امرأة ، فأمر بحرقهـــــن جميعا (43) .

 يعد الجزار من أهم الزعماء ، فى تلك المرحلة ، التى اتسمت باحتدام الصراع بين دول الغرب والمملكة العثمانية . أثناء تولى الجزار على صيدا ، تصدى للفرنسيين ، حيث اتبع سياسة وطنيه للتجارة فقام بطرد الجالية الفرنسية ، التى كانت تحتكر التجارة فيها ، وتحي حياة البذخ والتبذير ، إذ كانت تجارة منطقة سوريا وفلسطين مورد غنى للفرنسيين ، كسبوا منها ثروات طائلة ، وعلاوة على احتكارهم التجارة ، ثمة أسباب أخرى ، وسعت هوت الخلاف بين الجزار والفرنسيين ، منها سوء أخلاق هؤلاء التجار المقيمين فى صيدا ، وغيرها ، وتعديهم المستمر على الآداب ، وأيضا تشجيع التجار الفرنسيين القراصنة المالطيين على مهاجمة السفن العثمانية ، لمنع التجار العثمانيين من مزاحمتهم ، ولكى يحتكر الفرنسيون الأسواق المحلية ، والتحكم فى الأسعار (44) . 

 استحوذ القلق على الجزار بنزول بونابرت مصر ، وبدأ باتخاذ الاحتياطات اللازمة ، وحث المسلمين على " الجهاد " ، وتحالفت الدولة العثمانية مع الإنجليز ، ووصل الأسطول الإنجليزي ، بقيادة سيدنى سمث ، إلى عكا . وبعد أن وصلت أخبار يافا للجزار ، صمم على المقاومة ، معتمدا على أسـوار عكا ، وبراعة جنوده ، وعزز ذلك بخبرة فيليبو الفنية ، وهو أحد النبلاء الذين أجبرتهم الثورة الفرنسية  على مغادرة فرنسا ، قدمه له سيدنى سمث ، كمهندس حربى مختص بفن التحصين ، والدفاع فى حالة الحصار ، وايده فى توصياته الخاصة ببناء سور داخلى ، للإيقاع بمن يخترق السور الأول ، أثناء الحصار .  

 أرسل بونابرت برسالة إلى الجزار ، قال فيها أنه أتى لحماية المسلمين ، ومحامــل الحج الشـريف ، وللإبقاء على الصلاة ، و "سوف تكونوا  آمنين ، وتفتحوا البنادر والمتاجر " . لكن الجزار لم يستمع إليه . فهو يخشى بونابرت ، وان كان لا يصدقة (45) .   

 

*   ميخائيل شاقة أحد مؤرخى هذه الحقبة .    

وصل بونابرت عكا ، فى 18 مارس/ آذار ، وكانت محاطة بأسوار وأبراج ، وخندق عميق وعريض ، وينقل الماء إليها بقناة محكمة البناء ، ويدافع عنها حوالى سته آلاف جندي ، وفيها حوالى 30 مدفعا ، فى الوقت الذى لا تتعدى فيه المدافع الفرنسية الاثنى عشر ، سلطها بونابرت على البرج الرئيسى فى الزاوية الشرقية لعكا (46) .     


 تولى الجزار الدفاع البرى ، والأميرال الإنجليزي ، سيدنى سمث ، الدفاع البحرى ، وكان الجنود العثمانيون يفدون بكثرة ، على الجزار ، واستماتوا فى الدفاع عن عكا بعد أن اطلعوا على أنباء ما فعله بونابرت بحامية العريش ، وغزه ، ويافا . ولم يستطيع بونابرت استمالة إي من الأمراء ، لخوفهم من بطش الجزار ، وشدته .  فأثناء حصار عكا أرسل بونابرت فرقا الى القاهرة ، وصفد ، ووقعت معركة بين الفرنسيين وجنود الأتراك ، وحول جبل طابور ، وهزم العثمانيين ، وجاء بعضهم للتفــــــــــاوض مع بونابرت (47)  . ووعد بونابرت اثنان من أبناء ظاهر العمر ، الذى قام الجزار بقتلة ، ومعه خمسون شيخا محليا ، منشقين على الجزار ، أنه سيعيده إلى قصر أبيه ، الذى اغتصبه الجزار ، وتقديم المناصب والمؤن إليهم . واتصل بالأمير بشير الثانى الشهابى ، أمير الدروز بجبل لبنان لطلب المؤن ، وحرص بونابرت على عدم مصادرة مؤن فلاحى فلسطين ، لكى لا يثوروا ضده .

 فى 27  مارس / آذار ، تسلق جنود بونابرت أسوار عكا ، ولكنهم صدوا ، بقوه ، وتكبدوا خسائر جسيمة ، إن جنود عكا ردوا بهجوم مضاد ، كبد وهم خسائر كبيرة ، عكس ما كان يعتقد بونابرت بأنه سوف يحتل عكا فى الهجوم الأول ، بدأ التذمر ينتتشر بين جنود بونابرت ، بسبب عدم استطاعتهم احتلال عكا ، بعد ردهم على هجوم الجزار فى 2 إبريل / نيسان وتكبدهم خسائر فادحة (48) .


 حرص بونابرت على احتلال المناطق المجاورة لعكا ، ترقبا للهجوم العثمانى ، فارسل الجنرال فيال ، فى 4 إبريل / نيسان ، بأربعة آلاف جندى إلى صور ، واحتلها ، ونزل فيها بعض الجنود ، ثم وجه قوات إلى طبرية ، وأرسل الجنرال مورا ، لاحتلال قلعة صفد ، بهدف تأمين الطريق بين دمشــق وفلسطين ، والجنرال جينو  إلى الناصرة ، لمراقبة الطريق عبر نهر الأردن (49) .

 فى 16 إبريل/ نيسان ، استولت قوتان عثمانيتان قدمتا من دمشق ، بقيادة عبد الله باشا ، والى الشام ، وجنود مماليك ، بقيادة إبراهيم أغا ، وجنود آخرين من سوريا ، ومصر ، والأتراك ، وفلاحـى نابلس ، والمغرب على طبرية ، وقريه لوبية ، وسيطروا على طريق طبرية – الناصرية .

 اتجه كليبر من عكا إلى الناصرة ، بناء على تعليمات بونابرت ، فى 9 إبريل/ نيسان ، لمساندة جينو فى هجومه على العثمانيين الموجودين فى طبرية ن قد أخذت القوات العثمانية جبل طابور ، وقرية الفولة ، فى مرج أبن عامر ، مركزا لها ، وكان عددهم ثلاثين ألفا ، وقوات كليبر 500 جندى ،واربعة مدافع  .

 أمر بونابرت كليبر بمهاجمة القوات العثمانية ، واندلع قتال بين الطرفين ، وكاد كليبر أن يهزم ، لولا وصول بونابرت له ، وهزمت القوات العثمانية فى جبل طابور . فى 17 إبريل / نيسان استولى بونابرت على ذخائر ومؤن كثيرة ، واستعاد صفد ، واحتل طبرية ونهب وأحرق قرى ، الفوله ، ونورس ، وجنين ، وقرت خسائر العثمانيين بثلاثة آلاف والفرنسيين ثلاثمائة بين قتيل وجريح ، عاد بونابرت إلى عكا ، وحاصرها ، وعهد إلى فرقة كليبر بحماية جسر بنات يعقوب ، وحصينى صفد ، وطبرية من القوات العثمانية ، ثم عاد بعد ثلاثة أسابيع إلى عكا ، وبقى الجنرال جينو فى الناصرة ، للمحافظة على صفد ، وطبرية ، وفى هجوم فاشل من بونابرت على عكا ، توفى على أثره قائد سلاح الهندسة الفرنسى ، كافاريلى ، ورد عليهم الجزار ، بمساعدة الإنجليز ، بهجوم مضاد ، ووصلت نجدات عثمانية إلى عكا ، بطريق البحر ، ضمت أكثر من عشرة آلاف مقاتل ، حاول بونابرت دون وصولها ، ولكن وصلت بعد بعض الخسائر (50) .

 لكن بثبات الجزار ، وشجاعته الفائقة ، جعلت بونابرت يجمع جنوده ، وخطب فيهم خارج أسوار عكا ، فقال : " هذه المدينة هى مفتاح الشرق ، فاعلموا حرج مركزكم ، ووحدوا عزائمكم على امتلاكها ؛ لان بامتلاكها تسلمون لدولتكم مفتاح الشرق ، فتدخل القسطنطينية ، عاصمة قياصرة الروم ، ونملك شرقى أوروبا وشماله ، فاعلموا ذلك واخلصوا  نياتكم " .  ما ألهب حماس جنوده ، فاقتحموا الخنادق ، وفتحوا ثغرات فى الأسوار ، وهزموا الحامية ، ودخلوا البلدة ، حتى وصلوا الجامع الكبير ، فخرج الجزار يقاتلهم  بنفسه ، ويحرض الجنود على الثبات ، وكان يفتك بكل من يعمد إلى الفرار من مقاتليه ، فاستبسلوا حتى ردوا بونابرت ، وجنوده خائيين (51) .

 فى 11 مايو / ايار هاجم بونابرت عكا ، لمدة ثلاث أيام متصلة ، أنتهى بخسائر للجانبين . وفى 12 مايو / ايار شن الجزار هجوما على الفرنسيين ، وبانتشار الطاعون بين جنود بونابرت ، وتعدد هجمات جنود الجزار ، باءت محاولات بونابرت بالاستيلاء على عكا بالفشل فكتب لحكومته فى باريس بقرار انسحابه إلى مصر ، حيث رأى بأنه حتى لو استولى على عكا ، ستكون مقبرة له بسبب الطاعون ، ونقص المؤن وتصميم العثمانيين ، والإنجليز ، على المقاومة ، حيث كان العثمانيون يعدون لإرسال جيش من أجل طرد الحملة من مصر ، وحاول بونابرت التفاوض مع الجزار ، وسيدنى سمث ، لوقف القتــال ، ورفضا ، وتأكد بونابرت أن عكا لن تسقط ، فرفع الحصار عنها ، وانسحب إلى مصر (52) .
 لعل من أهم أسباب فشل بونابرت فى احتلال عكا :
1- كان تحصين الإنجليز لعكا ، ومساعدتهم الفعالة ، التى جعلت من الحصار كأن لم يكن ، بإيصال المؤن إلى عكا ، وامداد الجزار بالعتاد ، وانزلوا إليه الأسطول العثمانى ، واستولوا على آلات ، ومدافع الأسطول الفرنسى ، وسلموها للجزار ، كى يستخدمها .
2- كان فيليمو ، ذلك الفرنسى الذى حارب بونابرت ، نكاية بالثورة الفرنسية ، منظم الدفاع عن عكا ، بشكل فنى ، حتى قال كليبر بأن الجزار يدافع بالطريقة الأوربية (53) .
3-   كان بدأ بونابرت غزو فلسطين ، معاصرا لتجدد التصميم من حركات المقاومة فى مصــر على الجهاد ، ومنها واقعة مراد بيك مع الفرنسيين فى الصعيد ، التى قتل فيها زهاء ثلاثمائة فرنسى ، ما جعل موقف بونابرت فى حرج ، فى محاولة لإخماد الانتفاضة الشعبية ، فى الداخل ، وصراعه مع الجزار فى الخارج .
4- كانت مشاركة أهل الحجاز ، ومحمد المغربى الذى صار له جيش كبير من ضمن العوامل ، التى ساعدت فى هزيمة بونابرت .
5-  كان موت الجنرال بون متأثر بجراحة ، وأيضا ، الجنرال كفرللى الذى قام بإقامة المتاريس والذى يصعب تولى غيره آمرها .
6-  كان نقض الصلح بين فرنسا والنمسا من أهم الأسباب أيضا .
7- كان مرض الطاعون ، الذى فتك بالجنود وكاد يقضى عليهم جميعا ، مع نقص المؤن ، من أهم العوامل أيضا . (54) .
للأسباب السابقة مجتمعه   ، لم يكن لبونابرت ، أو كليبر مجد فى عكا ، فقد قال بونابرت :" لو استطعت الاستيلاء على عكا ، للبست عمامة ، ولجعلت جنودى يرتدون السراويل ، ولجعلتهم فيليقا مقدسا ، ولنصبت نفسى إمبراطورا على الشرق ، ولعدت إلى باريس بطريق القسطنطينية ". لكن هذه الأحلام دفنت تحت أسوار عكا . المجد الذى تحقق فى حملة الشام ، حققته  عكا ، بصمودها 62 يوما تحت الحصار ، ونيران المدافع الفرنسية ، ومع ما فتحته ، من ثغرات من أسوارها ، والهجوم عليها ، والمذابح الوحشية التى ارتكبها جنوده (55) . 

 فى 19 مايو/ آيار تم إجلاء آلف ومائتى جريح فرنسى بحرا باتجاه دمياط ، وأتلفت الحامية الفرنسية ، بقيادة جينو ، مستودعاتها فى طبرية ، قبل أن تنسحب إلى صفو ريه . وفى عكا أتلف الفرنسيون مدفعيتهم الثقيلة ، ولم يفتهم هدم الأقنية التى تذود عكا بالماء .


 فى 20 مايو / آيار انسحب بونابرت من عكا ، دون أن يحقق حلمه فى الاستيلاء عليها ، وقامت فرقة كليبر ، والفرسان ، بحماية المؤخرة ، إلى أن يتم الانسحاب ، فغادرتا عكا ، وهدما الجسور على نهر كيسون .

 خلف بونابرت وراءه فى حيفا حوالى مائة من الجرحى والمرضى الفرنسيين وأخريين فى خنطورة ، وصادر جيود الجند ، لنقل المرضى ، وأتلف ذخائر ، ومدفعية أخرى ، تعذر نقلها لمصر .

 فى 23 مايو/ آيار وصل بونابرت إلى قيادية ، وأتلف جزءا آخر من مدفعيته وبطش بأهلها ، عندما حاولوا مهاجمة الحملة .

  فى 24 مايو/ آيار وصل بونابرت إلى يافا ، وأقام فيها أربعة أيام ، أتلف خلالها تحصين لهم ، ومستودعاتهم ، فى الوقت الذى قد مات فيه نصف حامية يافا من الطاعون ، علاوة على ألف جريح ، ومصاب ، نقل منهم ثلاثمائة ، عن طريق البحر  ، وقتل بعضهم بالسم .

 فرض بونابرت على سكان يافا غرامة ، قدرها 107ر174ليرات ذهبية ، حصلوا على 608ر85 ، فورا ، واخذوا الرهائن ، حتى يدفع المبلغ الباقى . وأحرقوا المراكب فى مينائها . وغادر بونابرت يافا ، فى 28 مايو/ آيار ، وتخلف كليبر ، يوما ، لحماية المؤخرة ، ويقوم جنوده بسرقة القرى ، وحرقها ، إذا هاجمتهم ، ووصل غزه ، فى 30 مايو/ آيار ، وتوقف فيها يومين ، لفرض الضرائب على أهلها . وترك فيها عددا من المرضى المصابين بالطاعون ، بعهدة أعيان المدينة ، وأخذوا منهم الرهائن ، وصل بونابرت خان يونس ، فى 1 يونيو/ حزيران ، ومنها للعريش ، ثم إلي قطبة . 

 وصل بونابرت القاهرة ، فى  14 يونيه / حزيران 1799 ، بعد قرابة أربعة أشهر ونصف ، قضى منها فى فلسطين حوالى ثلاثة أشهر ونصف ، أسفرت عن خسائر فى جنوده كالآتي : عدد القتلى والمتوفين 4400 ، منهم 3920 قتلى ومتوفون بسبب جروحهم ، 480 متوفى بسبب الطاعون ، 2150 جريح . فيكون مجموع الإصابات 6550 ، وكان مجموع أفراد الحملة ، فى بدايتها 12945 (56) .

 هكذا عاد بونابرت إلى القاهرة ، بعد أن نقص جيشه ، بمقدار الثلث ، لكنه يقوم بتنظيم استقبال ظافر . وأصدر بيانا باللغة العربية ، لابلاغ سكان القاهرة بأنه لم يعد ثمة حجر فوق الأخر فى عكا ‍" إلى حد انه يمكن للمرء أن يتساءل ، فيما إذا كانت توجد مدينة فى هذا المكان من قبل ". وظهر بأن القائد العام الذى لم يفلح فى استخدام ورقة العربية عاد ، مرة أخرى ، للإسلام . فقد أوضح بأنه " يحب المسلمين ، ويحتر م النبى ‍‍". ويعتزم " بناء جامع ، لامثيل له فى العالم " . بل حتى " سيعتنق الدين الإسلامي ‍ " (57)   . 
بيد أن القصة لم تكتمل فصولا   .

كليبر يخلف بونابرت :

 عاد بونابرت ، سرا ، إلى فرنسا ، فى 18 أغسطس/ آب 1799 ، وأشاع بأنه يقصد الذهاب إلى منوف ، بحجة التفتيش على أحوال البلاد (58)  . 

  انه بونابرت نفسه ، الذى جاء قبل ذلك بثلاث سنوات ، ليبنى إمبراطورية فرنسية شرقية ، تضرب إنجلترا فى الصميم ، وتقطع طريق تجارتها إلى الهند . ضاع كل هذا ، ومعه نصف جيشه ، تحت وطأه ، الطاعون ، والثورات ، وأمام أسوار عكا .

  خلفه كليبر فى التركة المثقلة بالديون ، حتى وصل العجز فى خزانة الحملة الفرنسية ، إلى عشرة ملايين من الفرنكات ، وتدهورت معنويات قوات الحملة ، فهل يستطيع كليبر الخــــــروج من المحنة ؟ .

 لقد اختار كليبر لنفسه أسلوبا آخر ، يختلف عن بونابرت ، فأحاط نفسه بمظاهر الآبهة والجبروت ، متخيلا  إنها تؤثر فى العرب ، وفرض على الشعب أن يؤدى له ما كان يؤديه للباشوات والولاة المماليك من مظاهر الإجلال والتكريم (60)  .

 بطش كليبر بالمصريين " قتلا ، وحرقا ، وسبيا للنساء ، والبنات ، والغلمان ". وأفلس البلاد ، بالغرامة الوحشية ، كما زرع الأحقاد التى تهدد وجود الأمة ، ووحدتها ، وتحولها  إلى نفاية ،  فإذا بالأمة تقذفه إلى الفناء ، على يد سليمان الحلبى (61) .

 ولد سليمان محمد آمين الحلبى ، فى حلب ، عام 1691هــ / 1777م  ، لأب  تاجر زبد بمدينة حلب السورية . وهو شاب كثير التجوال ، عاش ثلاث سنوات فى مكة ، والمدينة ، ودرس بالأزهر ، ثلاث سنوات متصلة ، على يد الشيخ مصطفى أفندى ، وزار القدس ، ونابلس ، وغزه . 

 فى بداية عام 1800 رحل سليمان من حلب الى فلسطين ، مكدودا وضائقا لما فرضه والى حلب العثمانى ، إبراهيم باشا ، على أبيه من غرامة كبيرة ، وحاول سليمان البحث عن عمل ، وقضى خمسة أشهر ، بجوار المسجد الأقصى ، وعلم سليمان بما فعله بونابرت بأهل يافا ، وجنودها ، وبحامية دمشق ، ومعسكر العريش ، وشاهد  سليمان آثار التدمير بنفسه . ذهب سليمان إلى أحمد أغا ، محافظ القدس ، نهاية مارس/ آذار 1800م ، يشكو ما يلاقيه والده الحاج محمد آمين من اضطهاد ، وضرائب ، وغرامات ، من محافظ حلب ، وتعددت اللقاءات بينهما ، وطرح مشروع اغتيال كليبر نفسه على لقائلتهما .

 توجه سليمان إلى القاهرة ، لتنفيذ مهمته ، وطلب منه أحمد أغا السفر إلى غزه ، ليلتقى بشخصا اسمه ياسين أغا ، الذى سيقدم له المساعدات اللازمة لتنفيذ المهمة ، غادر سليمان القدس إلى الخليل ، ظل بها عشرين يوما فى انتظار قافلة يرافقها إلى غزه ، ليكون فى مأمن من قطاع الطرق ، ووصـل إلى غزه ، فى نهاية إبريل / نيسان 1800م ، والتقى بياسين أغا ، الذى كان على علم بمهمة سليمان ورتب له إقامة مؤقتة فى جامع غزه الكبير ، وتردد عليه ، عدة مرات ، ليلا ، للتباحث ، ووعده ياسين برفع الاضطهاد عن أبيه ، وأن يشمله بحمايته ، وأعطاه مصاريف سفره ، وأوصاه بالحذر ، والكتمان ، وألا ينفذ المشروع ، إلا بعد أن يتأكد من نجاحه . واشترى سليمان الخنجر ، الذى قتل به كليبر ، من غزه ، والتحق بأول قافلة من غزه إلى القاهرة ، محملة بالصابون ، والدخان ، واصلت السير ، لمدة ستة أيام ، قضاها سليمان على ظهر هجين . 

 وصل سليمان القاهرة ، فى منتصف مايو/ آيـار  1800م، ولا تزال أثار الحريق موجودة فى جميع شوارعها ، فحطت القافلة فى قرية بجوار الجيزة ، لمنعها من دخول القاهرة ، لظــــــــــــروف المدينة (62)  . 

 دخل سليمان القاهرة ، فى 14 مايو/ أيار 1800 م ، واستضافه لمدة قصيرة الشيخ مصطفى أفندى ، أستاذه الذى تعلم على يديه الخط وحفظ القرآن ، قبل ثلاث سنوات .

 نقل سليمان إقامة الى الجامع الأزهر ، والتقى بأربعة من أصدقائه ، جميعهم من غزه ، طلاب فلسطينيي فى الأزهر ، وهم عبد الله الغزى ، وأحمد الوالى ، ومحمد الغزى ، وعبد القادر الغزى ،  الذين سهلوا له إقامة فى الأزهر ، دون إخطار السلطات الفرنسية (63) . 

 مكث سليمان شهرا بالأزهر ، قبل قتله كليبر ، لمس عن قرب اضطهاد وأهانه وتعذيب كليبر للشيخ السادات ، الذى تزعم ثورة القاهرة الأولى ، والمحرض على الثورة الثانية ، من فرض غرامه مالية كبيرة عليه ، واعتقاله ، وتعذيبه ، وضربه أمام زوجته ، التى حبسوها معه ، ومصادرة أمواله ، وبيع أملاكه ، لدفع الغرامة التى فرضها كليبر عليه ، ناسيا مقامه ، كرجل دين ، ونسبه ، ومولده ، المستمد من السلالة النبوية ، فعم السخط رجال الشرع ، وعلماء الدين ، والشعب ، ناهيك عن ما تكبده الشعب ، بكـــل طوائفه ، من مهانة ، ونهب لأموالهم ، وفرض غرامات ، واعتقال لأعيانهم ، وقتل أبنائهم (64)  .

 هكذا وجد سليمان القاهرة فى أسوأ أحوالها . ورغم الصعوبات التى  انتصبت فى وجه تنفيذ مهمته ، فانه ظل يبحث ويدرس انسب مكان ووقت لاغتيال كليبر . حتى جاءت اللحظة الحاسمة ، فى يوم 14 يونيه/ حزيران 1800م، أثناء تفقد كليبر بصحبة المسيو بروتان ، المهندس المعمارى ، وعضو لجنة العلوم والفنون ، أعمال الترميم فى دار القيادة العامة ، ومسكن القائد العام الخاص به ، لإزالة آثار الإتلاف ،  الذى أصابها من جراء ثورة القاهرة الثانية ، إذ خرج عليهما سليمان ، واقترب من  كليبر ، كمن يريد أن يستجديه ، أو يتوسل إليه ، فلم يرتب فيه ، ولم يلتفت إليه ، فعاجله سليمان بطعنة خنجر مميت’ ، أصابته فى صدره ، ثم تلتها عدة طعنات قاضية عليه ، وعلى آماله فى تخليد مركزه ، وتحقيق مشروعاته السياسية ، والحربية ، فى وادي النيل ، ولاذ سليمان بالفرار مختفيا فى حديقة السراى (65) .


 اتجهت أنظار الفرنسيين ، فى بادئ الأمر ، إلى اتهام العلماء ، الذين قاموا بالتحريض على ثورة القاهرة الثانية ، ففتشوا بيوتهم ، ولم يجدو  ما يدينهم (66)  .

 انتشر خبر مقتل كليبر ، بسرعة البرق ، وتلقاه الأهالى بالدهشة ، والجزع الشديدين ، لتوقعهم الانتقام ، والنكال ، وتلقاه الفرنسيون بالغضب ، والسخط ، والتحفز للانتقام ، فتجمع الجنود ينادون بالأخذ بالثأر ، ويهددون بإحراق المدينة ، ويضربون ، ويقتلون من صادفهم من الرجال والأطفال ، فخلت الطرق من المارة ، وأغلقت المحلات أبوابها ، وأخذت دوريات الجنود تجوب الشوارع لبحث عن سليمان ، وبعد ساعة عثروا  على سليمان ، مختبئا فى الحديقة الملاصقة لدار القيادة ، وأرسل إلى دار أركان الحرب مع اثنين من ضباط الحرس الملازمين للجنرال كليبر ، حيث كان  قواد الجيـش مجتمعيين ، بعد ضربه وتعذيبه (67)  .

 انتهى التحقيق ،  فى  اليوم نفسه ،  وتحدد اليوم التالى (15 يونيو/ حزيران 1800)  لبدء المحاكمة ، وأصدر الجنرال مينو ، خليفة كليبر ، أمرا  بتشكيل  المحكمة من تسعة من قادة الجيش الفرنسى ،  وأشرف مينو على التحقيق ، بنفسه .

 فى الجلسة الأولى أجرى التحقيق وجمعت أدلة الاتهام ، وأسفر اتهام سته أشخاص ، هم : سليمان الحلبى ، والأزهريين الأربعة ، محمد الوالى ، عبد لله الغزى ، عبد القادر الغزى ، ومحمد الغزى ، وأستاذه الشيخ مصطفى أفندى ، الذى نزل عليه عند وصوله القاهرة . 

 انعقدت المحكمة ، فى 19 يونيو/ حزيران 1800 ، وأدانت سليمان الذى قال بعد تعذيبه ، أن أسمه سليمان ، عمره 24 عاما ، صناعته كاتب عربى ، وسكنه حلب ، واعترف بقتله كليبر ، ومن أهــــــــــم ما قاله ، بعد أن رفعوا عنه الضرب ، أنه جاء من غزه  إلى مصر ليغازى فى سبيل الله .

 لم يحلم البطل سليمان بمجد ، فجاءت كلماته بسيطة ومعبرة لهدفه الواضح ، الجهاد فى سبيل الله ، ظل البطل صامتا هادئا ، أثناء محاكمته ، رجل فعل ما يريد ، ولا يعنيه ما يجرى حوله .  ولو تكلم هذا البطل ، لنقلت جثه كليبر إلى قفص الاتهام ، ليعرف حقا من هو صاحب اليد الأثيمة المغتصب ومن هو القائد الجليل ؟! (68)  .

 حكمت المحكمة بحرق يد سليمان اليمنى ، ثم يوضع على الخازوق حتى يموت ، ويترك لتنهش الطيور جسده ، والحكم على الشيوخ الأربعة ، بقطع رؤوسهم ، لاشتراكهم فى الجريمة ، بعدم إبلاغهم ، رغم علمهم مسبقا بها ، والإفراج عن الشيخ مصطفى أفندى .

 تم  تنفيذ حكم الإعدام فى ثلاثة من الشيوخ ، وإحراق جثثهم ، أمام سليمان ، وانقذ عبد القادر الغزى ، الذى لاذ بالفرار ،  بعد مقتل كليبر ، وحكم عليه ، غيابيا .

 فى 17 يونيه / حزيران 1800 ، انزل نعش كليبر على تل العقارب ، مكان تنفيذ الحكم على سليمان الحلبى ، فأطاح  بارتلميى *  برؤوس الشيوخ الثلاثة ، ورفعها فوق عصا طويلة ، وغرسوها فى أرض التل ، وأشعلوا النار فى جثثهم ، أمام سليمان ، ثم نفذ الحكم على سليمان ، بوضع كفه الأيمن فى الجمرة ، ولم يتكلم البطل والنار تأكل لحمه الحى ، ولكنه اعترض ، عندما تعمد بارتليمى أن تطول النار مرفقه ، مبنها إياه بأن الحكم لم يذكر إلا اليد فحسب ، وتشاجر معه ، وأصر على حقه ، وبعد ذلك بدأ فى تنفيذ باقى الحكم ، فقام بعملية الخزوقة بمهارة ،  أحضر بارتليمى قضيبا مدببا من الحديد ، ثم بـدا فى أد خالة فى شرج البطل ، بالدق بمطرقة خفيفة ، حتى لا يحدث نزيفا يؤدى الى موته ، قبل أن يتعذب بما يكفى ، ثم رفع الخازوق قائما  ، وعليه سليمان ، ثم غرس فى الأرض ، لتأكله الطيور الجارحة .

* با رتليمى هو مسيحى بونانى مشرقى ، أنضم للفرنسيين ، وقد كلف بالأعمال الخسيسة ، وكان محافظ القاهرة ، فى ذلك الوقت  .
 وعندما دفن جثمان كليبر ، كان الشهيد سليمان الحلبى جالسا على خازوقه فوق تل العقارب ، يصلى (69)  .  

 استشهد البطل سليمان الحلبى ، مرفوع الرأس ، وشارك من قام بإصدار الحكم عليه وتنفيذه ، فى أن تظل رأس الشهيد مرفوعة ، رغم أنفهم جميعا ، بدون أن يقصدوا ذلك .

  احتفظ الفرنسيين بالهيكل العظمى للشهيد سليمان ، ووضعوه فى حديقة بباريس ، كما احتفظوا بجمجمته فى غرفة التشريح بمدرسه الطب بباريس ، ثم وضعوها ، بعد ذلك فى متحف الإنســـــــــــان ، ولا يزال  خنجره فى مدينة كار كسون بفرنسا  (70)  .

 يعد الشهيد سليمان الحلبى نموذجا للمجاهد الإسلامي والثورى الشرقى ، الذى وهب حياته لتأكيد الوحدة العربية ، من قبل قرنيين .

 ثمة عدة تساؤلات يثيرها هذا العمل البطولى للشهيد والبطل القومى سليمان الحلبى : هل هى حادثه فرديه ، انتقاما لوالده ، كما ادعى الفرنسيين ، أم أثاره ما سمعه وما شاهده من أفعال بونابرت وجنوده ، بأهل فلسطين ، ومصر ؟ أم كان تعذيب كليبر لأستاذه وشيخة الجليل السادات وراء سخطه واندفاعه لقتل كليبر ؟ . 

 أم كانت تلك الأسباب مجتمعة ، وراء تصميمه على قتل كليبر ، اعتقادا منه بأن قتل الرأس ينهى الجسد ، وبالقضاء على كليبر ستنتهى الحملة الفرنسية  .  

  أم كان البطل ضمن تشكيل وتنظيم قومى ، خطط ، ونفذ ، باقتدار ، عملية اغتيال القائد العام لقوات الاحتلال ، التى تتميز  بضخامة الهدف ، مع ضالة الخسائر ، بالنسبة للتنظيم الثورى ، الذى نفذها ، حيث لم تسقط سوى الخلية المنفذة فحسب .

 سواء كانت حادثة  فردية ، أم كانت مخططا من تنظيم قومى ، فان الشهيد سليمان الحلبى ، يعد نموذجا للمجاهد  الإسلامى ، والثورى القومى ، الذى وهب نفسه لتأكيد الوحدة العربية (71) .

 لقد أدى مقتل كليبر إلى ارتياب الفرنسيين فى الأزهر ، إذ كان يأوى إليه الشهيد سليمان الحلبى ، ورفاقه ، ولم يقتنع الفرنسيون بعدم علم علمائه بمقتل كليبر ،  فذهب الجنرال مينو ، الذى تولى قيادة الحملة بعد كليبر ، مع بعض أركان قيادته ، وطافوا بالأزهر الشريف وشرعوا فى الحفر فيه ، بحجة البحث على السلاح ، فلما رأى العلماء أن الأزهر أصبح عرضه للريبة ، عرضوا على الفرنسيين إغلاقه مؤقتا ، وقد كان  (72)  . 

 وفى 18 أكتوبر / تشرين الأول 1801، أبحر الجنرال مينو من الإسكندرية ، متجها إلى فرنسا ، باعتباره آخر أفراد حملة بونابرت عل الشرق . 

وبذا   أسدل الستار على الحملة الفرنسية برمتها ، سواء منها ما جعل مصر وجهته ، أو ما حاول غزو فلسطين ، من بعد .
بقلم:آمـــــال الخــزامى

VN:F 1.9.16_1159
Rating: 9.4/10 (5 votes cast)
Share on FacebookTweet about this on TwitterShare on Google+Share on Tumblr
أضف تعليقك
VN:F 1.9.16_1159
Rating: 6.8/10 (6 votes cast)

 تتميز المرأة الفلسطينية بخصوصية ، مستمدة من خصوصية قضيتها الوطنية التي شكلت حياتها ، وأثرت على مسيرة نضالها .

تطور الدور
  صاحب نكبة 1967 ظهور جيل جديد من المنتميات للتنظيمات العسكرية ، والسياسية ، داخل الضفة الغربية ، وقطاع غزة ، برز خلالها كوادر نسائية عدة ، مما أدى بهذه الكوادر النسائية لىعتقال ، وتعرضهن للتعذيب الشديد ، إلاأنهن صمدن ، وتحملن هذه الظروف ، بصلابة . فكانت البطلة فاطمة برناوي ، التى حكم عليها بالمؤبد ، وهي أول معتقلة ، في عام 1967 ، لتلحق بها البطلة أمينة دحبور عام 1969، بحكم اعتقال لمدة 12 سنة ، ثم رسمية عودة عام 1969 ، التى ابعدت ، عام 1976 ، عن أرض الوطن ليصل عدد المعتقلات ، عام 1979 ، إلى ثلاثة آلافمعتقلة ، كانت الغالبية العظمى منهن من بين المنتميات لتنظيمات سياسية (1).
 برزت ، أيضا ، بعض الكوادر النسائية في عمليات مسلحة مختلفة ، فى تلك الفترة ، كخطف الطائرات ، ووضع عبوات ناسفة داخل إسرائيل (2).
 إلى ذلك شاركت المرأة الفلسطينية فى مظاهرات عدة ، عام 1974، و1975، وبداية 1976 ، في بيت ساحور ، والخليل ، احتجاجا على إساءة معاملة السجناء ، وعلى قرار اسرائيل بالسماح لليهود بالصلاة في الحرم الابراهيمي ، وأيضا ، عثب استخدام الولايات المتحدة الامريكية للفيتو في مجلس الأمن ، ضد مشروع قرار ناقشه المجلس لصالح الفلسطينيين (3).
 شهدت الفترة من 1972 إلى 1980 ، زيادة ملحوظة في إقبال تعليم الفتيات ، تعليما عاليا ، والسكن فى أجواء طلابية نشطه .مما زاد من وعيهن السياسي ، وعجل فى زيادة مشاركتهن السياسية ، فضلا عن سياسات الاحتلال الجديدة ، خاصة عند وصول حكومة الليكود للحكم فى إسرائل ، عام 1977 ، واتباعها سياسة اكثر وضوحا فى عدائها للشعب الفلسطينى كفرض ضرائب وجمارك جديدة عليه ، وكذا مصادرة الأراضى وبناء المستوطنات وتوجية ضربات موجعة للقيادة الوطنية في ذلك الوقت ،وملاحقة كثير من النشطاء السياسيين ، كل ذلك أدى إلى طغيان القضية الوطنية على ماعداها من قضايا المرأة الشخصية ، والاجتماعية (4).
 شكلت "انتفاضة الحجارة " ، منذ نهاية عام1987 ، دورا المراة ، بطريقة مختلفة ، مع غياب مؤسسات الدولة . عن الدور المنوط بها فى  توفير الخدمات اللازمة لمواطنيها . فبادرت المؤسسات الأهلية للقيام بهذا الدور ، معتمدة في عملها على النساء الفلسطينيات ، اللواتى استطعت قيادة هذه المؤسسات ، وشاركن في وضع الخطط والبرامج ، لها ، وكذا إعادة تشكيل حركة نسائية نشطه ، عملت ، لسنوات عدة ، ولاتزال ، في مجالات الصحة ، والتعليم ، والمجتمع (5).

في خضم "انتفاضة الأقصى والاستقلال"
 لمعرفة مدى المعاناة التي تكبدتها المرأة الفلسطينية ، علينا رصد الانتهاكات الاسرائيلية ضد الشعب الفلسطينى بكل طوائفه ، فضلا عن القطاعات المختلفة فى فلسطين ، حيث بلغ عدد شهداء الانتفاضة منذ بداية " انتفاضة الأقصى والاستقلال "، فى 29/9/2000، وحتى 31/10/2005، 4197 شهيدا ، أضف اليهم 82 شهيدا لم يتم تسجيلهم ، بسبب الإجراءات الاسرائيلية الجائرة ، نصيب النساء منهم 270 شهيدة ، فيما بلغ عدد الجرحى 45779 جريحا ، فضلا عن 8435 جريحا ، تلقوا علاجا ميدانيا ، أسهمت فيه ، بشكل أساسي، المرأة الفلسطينية اعتقل الصهاينة 8600 اسيرا ، منهم 115 أسيرة ، 62 أسيرة منهن تم الحكم عليهن ، و46 أسيرة موقوفة ، وسبع أسيرات يخضعن للآعتقال الادارى ، وبدون تهمة محدده . إلى ذلك بلغ عدد المنشأت الحكومية والالأمنية المتضررة 645 مقرا ، وبلغ إجمالى المنازل التى تضررت ، بشكل كلى وجزئي ، حتى 31/8/2005 ، 71470 منزلا ، منها 7628 منزلا تضررت بشكل كلي ، كان نصيب قطاع غزة 4785 منزلا مهدما ، وأغلقت 12 مدرسة ، وجامعتان ، بأوامر عسكرية صهيونية ، فضلا عن تعطيل 1125 مدرسة ومؤسسة تعليم عالي ، حتى 15/10/ 2005، وكان عدد المدارس ومديريات التعليم ، التى تعرضت للقصف ، 316 مدرسة ومديرية ، وقد حولت 43 مدرسة إلى ثكنات عسكرية ، وبلغ عدد الطلاب والمعلمين الذين استشهدوا برصاص جيش الاحتلال 844 طالبا وطالبة ، وعدد الجرحى 4809 ، كما جرفت قوات الاحتلال 76867 دونما من الأرض الزراعية ، واقتلعت 5290ر135 شجرة ، وهدمت 770 مخزنا زراعيا 756 مزرعة للدواجن ، وقتلت مايقارب 14749 رأس أغنام وماعز ، بالإضافة إلى 12132 بقرة ، وأتلفت 15265 خلية نحل ، وهدمت 403 بئرا بملحقاتها . وهدمت منازل للمزارعين بأثاثها ، بلغ عددها 207 منزلا ، وجرفت 263ر31 شبكة ري ، وهدمت 1327 خزان ماء. وبلغ عدد المزارعيين المتضررين 16195 مزارعا ، كما دمرت قوات الاحتلال 9164 ورشة ومحل ، منذ بداية الانتفاضة وحتى 30/4/ 2005.وبلغ عدد المنشأت الصناعية التي تضررت 417 ، مما أدي إلى وصول عدد العاطلين عن العمل 272 ألف عامل ، بنسبة 3ر26 % ما أدي مع إجراءات الحصار والإغلاق الصهيوني ، إلى ارتفاع نسبة البطالة والفقر ، إلى 7ر67% ، وقصفت الأحياء السكنية 33153 مرة ، فضلا عن 3724 حاجزا عسكريا صهيونيا ، و671ر241دونما إجمال مساحة الأرض التى تم مصادرتها ، منذ 29/3/ 2002 حتى 31/10/2005، لخدمة جدار الفصل العنصرى (6).
 لم تكتف قوات العدو الصهيوني بما فعلتة من تدمير واتلاف للبنية التحتية ، وأيضا ، مافعلتة بالشعب الفلسطيني ، بجميع طبقاته ، وفئاته الاجتماعية : طلاب ، وعمال ، وفلاحن ، بل وصل الإرهاب الصهيوني حتى إلى المعاقين من أبناء الشعب الفلسطينى ، لإيقاع أكبر قدر من الخسائر البشرية ، حيث قامت قوات الاحتلال باعتداء على الأرواح ، وعلى المؤسسات الخاصة ، بتقديم الرعاية ، والتأهيل ، والتعليم لهذه الفئة من الأفراد ، خاصة الأطفال منهم ، فقصفت تسع مؤسسات ، تقدم خدمات تربوية ، واجتماعية ، ونفسية للمعاقين من الأطفال ، كما تسبب الاحتلال باعتداءاته ، فى نحو 5500 حالة إعاقة لمواطنين فلسطينيين ، ورصدت حوالي 107 عملية اعتداء على المعاقين ، نتج عنها استشهاد 48 معاقا ، وجرح 32 ، واعتقال 27 معاقا آخر . ناهيك عن عدد غير قليل من المعاقين ، تم هدم منازلهم ، وتركهم بلا مأوى . عدا مالم يتم رصده ، بسببالتعتيم الإعلامى ، الذي يفرضة جيش الاحتلال على الكثير من جرائمه (7).
 أثرت ، سالبا سياسة الاغلاق الشامل والحصار ، وضرب البنية التحتية التى اتبعها العدو الصهيونى لقمع "انتفاضة الأقصى والاستقلال" وماتكبده الاقتصاد الفلسطيني فى المجالات كافة على الأوضاع الاقتصادية للأسرة الفلسطينية ، وتفاقمت المشكلات الاجتماعية الناتجة عن ذلك مثل البطالة ، والإعاقة ، التي أصابت عددا كبيرا من الفلسطينيين في مرحلة الشباب ، وبالتالي فإن تأثير تلك الأوضاع على المرأة الفلسطينية كان الأكثر صعوبة . حيث ازداد عدد النساء المعيلات لأسرهن  ـ متوسط عدد الافراد فى الأسرة من 7 ـ 9 أفراد ـ وتضخمت المسئولية في الأسر التي تضم في أفرادها جرحى ، ومعاقين ، وقلما خلت أسرة فلسطينية من جريح ، أو معاق .جدير بالذكر بأن الاقتصاد الفلسطيني يرتكز على الأعمال الخدمية السياحة ، التجارة ، أعمال الترانزايت ، فضلا عن الزراعة (8).
 مما سبق يتضح حجم المعاناة التي تكبدتها المراة الفلسطينية من "انتفاضه الأقصى والاستقلال" ، وأيضا ، حجم العبء الذي وقع على عاتقها لتوفير الاحتياجات الضرورية في سبيل نجاح التعليم الشعبي ، ورياض الأطفال ، بديلا عن المدارس ، التي تم قذفها ، وإغلاقها ، في مناطق عدة فى الضفة والقطاع ، وكذا المشاركة في إقامة العيادات الميدانية لتوفير العلاج لجرحى الانتفاضة (9).
 كما قامت النسوة ، بحرث وزرع الأرض ، عندما تعرض زوجها وابناؤها للاستشهاد ، أو الاعتقال ، وتوفير الخبز والحليب (اللبن) لأطفالها رغم ، سياسة الحصار ، والتجويع ، والتخوفيف ، التي استمرأت قوات العدو الصهيونى انتهاجها ضد المدنيين العزل (10).
 ظلت المراة الفلسطينية هي الأساس في المعركة المواجهة ، فقد أسهمت في صمود الشعب الفلسطيني ، من خلال الحفاظ على الثقافة ، والتعليم ، والعمل الاجتماعى ، في صفوف الشعب ، وشاركت بدور سياسي وشعبى والتزمن بالثوابت الوطنية (11).
 لقد مثلت المرأة الفلسطينية ، دائما ، صمام أمان وجوهر وجود واستمرارية الانتفاضة ، بتحمل عبء وتبعات السياسة الإرهابية الصهيونية ، وعملت ، جاهدة ، كي تحافظ على أسرتها ، وأبنائها ، وعلى المجتمع الفلسطينى ، والهوية الوطنية الفلسطينية (12).
 لم تتوان المرأة عن المشاركة في مواجهة عملية "السور الواقى "* ، بسلاح المظاهرات ،وتحفيز الشعب الفلسطييني على المشاركة في النضال ، وكان لها جهد متميز في العلاقات العامة ،والاتصال الدولي ، فقامت بتنظيم زيارات للقناصل ، والسفارات ، في مناطق السلطة الفلسطينية كافة ، اثناء الانتفاضة ، من أجل وضع قطاع الحكومة تحت الحماية الدولية ، ولمواجهة سياسة "الترانسفير "، التي لوحت بها الحكومة الصهيونية (13).
 طالت الانتهاكات والإرهاب الصهيونى كل الشعب الفلسطيني ، دون تفريق بين طفل ، وشيخ ، وامرأة فقد تحولت الحواجز العسكرية الصهيونية إلى " مصائد" الاعتقال الشباب الفلسطيني . مما اضطر عدد كبير من الأهالي الى هجر منازلهم ، كما طالت الحواجز عشرات الفتيات اللواتي فضلن الإقامة في مجموعات بشقق بالإيجار ، فى مدينة غزة ، للتغلب على آلام المعاناة على الحواجز العسكرية الاحتلالية ، التى كانت تحول دون وصولهم لكلياتهم ، متكبدات مشقة البعد عن الهل ، وزيادة العبء المالي على كاهل الأسرة (14).
 يتكرر ، يوميا ، شهيد آخر من مئات الفتيات الجامعيات ، وهن يتسلقن الكثبان الرملية على حاجز "الباذان "، في المدخل الشمالى لمدينة نابلس ، في أيام المطر والبرد الشديدين ، للتقدم إلى الامتحانات ، ليضفن بعدا جديدا من الوان الألم والمعاناة للمرأة الفلسطينية (15).
 تقول حليمة ـ أم فلسطينية ـ أنام وأنا ارتدى كامل ملابسى أنام على كرسى جالسة ، ولكني يقظة ، فما أن أسمع صوت القذائف حتى أقفز ، فورا ، نحو أولادى وهم ينام ونسرع خارجين من المنزل إلى التلال الرملية المجاورة ، خوفا من ان تصبيهم قذيفة ، أورصاصة (16).
 لم تنم زينب عودة فى بيتها ليلية واحده ، منذ بداية الانتفاضة ، تذهب الى منزلها ، في النهار ، وتغادره ، هربا من القذائف الصهيونية ، ليلا ، خوفت عل أطفالها .كما لم تكن أم شادى أوفر حظا من اخواتها فى الكفاح ، عندما قضت ليلتها فى الخلاء ، مع اولادها السبعة ، تحت نيران قذائف العدو الصهيونى ، عند أقتحام مدينة رفح (17).
 "اصبح ليلنا نهارا ولم نعرف الهدوء والسكينة لانسطيع النوم ، نتوقع الموت والشهادة في أي لخطة حتى الطيور والحيوانات لم تسلم فى القصف ". هكذا وضعت أم طارق حياة اهالي خانيونس (18).
 تؤكد كل الحقائق على أن هناك مئات الألاف من الفلسطينيات ، امهات ، واخوات ، وبنات ، مناضلات يمارسن المقاومة ، يوميا ، يحملن أرواحهن ، وأرواح أبنائهن على أكفهن ، دفاعا عن أرض فلسطين الحبيبة فاهى ديما قدسية (22عاما) تعمل في حرس الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات في رام الله ضمن فريق من الشرطة الفلسطينية ، المناضلة أحلام ناصر لم تتجاوز (22عاما)، تعمل منسقة مع فريق "الهلال الأحمر "، في رام الله ، وحضرت الكثير من المواجهات بين الشباب الفلسطييني وقوات العدو وأنقذت مئات الفلسطينيي ، من الموت (19).
 مريم ، المحاربة التاريخية ، يطلق عليها في غزة لقب "الدكتورة "، تمنت أن تحمل السلام ، وكتبت للقادة الفلسطينيين ملحة على مشاركة النساء في الوحدات المحاربة . وتحققت امنيتها بان اختبأت ، لمدة اسبوع كامل ، في كهف ، بدون طعام ، وعندما خرجت من الكهف ، واجهت ثلاثين جنديا اسرائيليا ، وبذلك وهبت حياتها للانتفاضة (20).
 جميلة الجميلة (35عاما) أخفت وجهها بالكوفية الفلسطينية ، وهي على قائمة المطلوبيين من قبل المحتل ، ضمن 80 فلسطينيا ، منذ بداية "انتفاضة الأقصى والاستقلال "، وتعتبرها سلطة الاحتلال من الشخاص الخطرين على أمنها ، لذلك لاتنام جميلة في مكان واحد ، لمدة ليليتين متواصلتين ، هذه هى الضريبة التي تدفعها جميلة ، لمجرد انها تحارب للدفاع عن وطنها (21).
بقلم:آمال الخزامى

VN:F 1.9.16_1159
Rating: 6.8/10 (6 votes cast)
Share on FacebookTweet about this on TwitterShare on Google+Share on Tumblr
أضف تعليقك
VN:F 1.9.16_1159
Rating: 4.0/10 (1 vote cast)

أسيرات
 تعرضت المراة الفلسطينية لأساليب قمع وحشية ، أثناء الاعتقال ، وفي مرحلة التحقيق على يد رجال "الشاباك " الصهيونى ، منها شتى أنواع الضغط النفسى ، والتهديد والاعتداءات على المعتقله الفلسطينية من أجل اذلالها واجبارها على الاستسلام ، لكن المرأة الفلسطينية اسطورة البطولة والفداء اثبتت عكس ذلك ، فهذه هى فاطمة البرناوى أول أسيرة تدخل تجربة الاعتقال فى اواخر عام 1967 ، والتى مشى على دربها كثير من البطلات الفلسطينيات (22).
 اعتقلت سلطة الاحتلال خمسة الآف فلسطينية ومنذ عام 1967 وحتى بدايه انتفاضة الأقصى والاستقلال ، خاضت الاسيرات الفلسطينيات ، منذ بداية تجربة الاعتقال ، نضالات عدة داخل السجون ، منها الإضراب المفتوح عن الطعام ، والتصدي لسياسة القمع والبطش (23).
 يبلغ عدد الاسرى الفلسطينيي "لانتفاضة الأقصى والاستقلال " فى سجون الاحتلال 8600 اسيرا ، ويبلغ عدد السيرات اللواتى يقبعن داخل سجون الاحتلال قبل "انتفاضة الأقصى والاستقلال"، ثلاث أسيرات ، وتم اعتقال 400 اسيرة ، منذ بداية الانتفاضة حتى 31/10/2005، منهن 115 اسيرة لاتزلن في سجون المحتل .وهو مانسبتة 3ر1% من إجمالى عدد الأسرى ومن بين الاسيرات 5 فتيات لم تتجاوز اعمارهن 18 عاما ، موزعات بين سجن "هشارون الصهيوني "، وسجن الرملة ، والزنازين الانفرادية (24). 
 تتعدى معاناة المراة الأسيرة الوصف ، فهي الم التي انجبت أطفالها داخل السجن ، ليتربى الطفل لمدة عامين بين القضبان ، وهى المراة التيتعانى المرض بسبب الإهمال الصحى ، وهي المرأة التي صبرت ، سنوات عدة ، على عسف الاعتقال من التهديد بالاعتداء الجنسي ، الى الضغط النفسي ، الى الشبح ةمنع النوم(25).
 الأسيرة وداد خلف ، التى وضعت طفلها فى السجن واستشهد بين يديها فى السجن تقول "وجدت يدين غليظتين تحشران رأسي في كيس ضخم ، كريه الرائحة ، خشن الملمس لم أعد أرآ شيئا ، ويداي مربوطتان ، وصوت يطلب مني أن أقف بجانب هذا الجدار ، دون ان اتحرك "، هذا ، عدا الضرب المبرح الذى تعرضت له الأسيرة (26).
 أنجبت أربع أسيرات أخرى ، إضافة الى وداد ، أطفالها داخل ظلال سجون الاحتلال فى "انتفاضة القصى والاستقلال "، وهن أميمة الأغا ، وسميحه حمدان ، وماجدة السلايمة ، وميرفت طه . أميمة الأغا تم الاعتداء عليها بالركلات وهى حامل فى ايامها الأولى . وعندما نزفت لم يستدعوا طبيبا بل أخذ المحققون يساومونها لأجل أن تعترف مقابل احضار الطبيب !(27).
 هناك من الاسيرات من تعانى مرض السرطان ولاتتلقى العلاج المناسب بالرغم من وجود تقارير طبية تؤكد ذلك مثل المعتقلة أسماء محمد سليمان ، ومنهن من تم إبعادها مثل المعتقله أسماء عبدالرازق عبدالجليل صالح ، وهو زوجة وأم لطفلين ، ومنهن من حكم عليها بالمؤبد سته عشر مرة وهى أحلام التميمى (28).
 سوسن أبو تركى ، ذات الأربعة عشر ربيعا ، أصغر اسيرة فلسطينية فى سجون الاحتلال تهمتها محاولة طعن جندى صهيونى ! ، البداية كانت عند عودتها من المدرسة حين اعترض طريقها أحد الجنود الصهاينة وضربها على رأسها بمؤخرة سلاحه ، ضربات عدة ، مكثت على أثرها خمسة أيام في المستشفى ، وانتقاما من هذا المجرم حاولت أبوتركى طعنه ، بعد تماثلها للشفاء ، وتم القبض عليها ، ومنع أهلها من زيارتها وطبق عليها القانون الجنائى رغم أنها قاصر ، لايشملها "قانون العقوبات "(29).
 يشكو ، أيضا ، المحامون الفلسطينيون من سوء معاملة إدارة السجن لهم ، وتشديد اجراءات الزيارة للأسيرات ، وتغير غرفة لقاء المحامى بالمعتقلات حيث استبدلت بالغرفة الت تتم فيها زيارة الهل المزودة بحاجز من الشبك ، يفصل بين المحامى والمعتقلة (30).
 تعانى الاسيرات الفلسطينيات من تجربة قاسية ، حافلة بالآلم دفعت الأسيرات ثمنا باهظا فيها ، بداية بالإهانات ، وقمع الغاز ، والاعتداءات عليهن فضلا عن عزلهن ، لفترات طويلة ، بالزنازين ، وحرمانهن من الزيارة ، مما أدى إلى اصابة عدد كبير منهن بأمراض مزمنة ، اثبتت النساء افلسطينيات رغم كل ذلك جدارتهن كمناضلات على إرباك الحسابات الصهيوينة . عندما لم تردعهما التقاليد الاجتماعية فى القيام بدور القائد والمقاتل جنبا الى جنب بجوار الرجل الفسطينى (31).

استشهاديات 
 سأحمل روحى على راحتى  والقى بها فى مهاوى الردى
 فأما حياة تسر الصديق  واما ممات يكيد العدى
 تلك كلمات الشهيدة شادية أبو غزالة أول شهيدة على الساحة الفلسطينية ، التى كانت ترر ، دائما ، "أنا أن سقطت فخذ مكانى يارفيقى فى الكفاح "، وقد أعطى استشهاد شادية ، وتضحيتها ، دفعا للأخريات للإقتداء بها ، والسير على نهجها (32).
 شاركت النساء الفلسطينيات فى النضال الوطنى الفلسطينى ، بكل أشكاله فلم يقتصر دورها على الجانب التربوى ، والحفاظ على الهوية الفلسطينية ، وتوفير الامان والغذاء لاطفالها فحسب ، بل ذاد عن ذلك بكثي ، فساعدت على وضع العبوات الناسفة ، ونقل الأموال ، مساعدة المقاومين فى الأعمال الفدائية ، وبرزت أسماء عدة منها عبلة طه (من القدس) ، ولطيفة الحوزاى(من رام الله )، وخديجة ابوعرقوب (من الخليل )، ومنهن من أسهمت فى عمليات خطف الطائرات ، مثل ليلى خالد ، وريما بلعوشه ، وزهيرة اندراوس (33).
 انخرطت النساء ، بشكل كبير ، فى النضال الوطنى ، خلال "انتفاضة الأقصى والاستقلال "، وقامت بعضهن بعمليات استشهادية موجعة فى قلب العدو الصهيونى ، جاءات وفاء ادريس فى المقدمة ، إبنة مخيم المعرى للاجئين ، فى رام الله ، المناضلة الشهيدة قامت بتفجير نفسها فى شارع يافا بالقدس فى 28/1/2002، فقتلت جنديا صهيونيا ، وجرحت سته وعشرين آخرين ، فى أول عملية استشهاديه تقوم بها امرأه فلسطينية خلال "انتفاضة القصى والاستقلال "، لكنها لم تكن الخيرة ، وفاء لاتنتمى إلى أيه منظمة فلسطينية ، بل تمثل جيلا جديدا (34)
 نفذت الطفلة نورا جمال شلهوب ، البالغة من العمر 15 عاما عملية استشهادية ، عند حاجز الطيبة الذي يفصل المناطق المحتلة عام 67 عن المناطق المحتلة 1948، وذلك فى يوم 25/2/2002م (35).
 القنبلة البشرية ، بنت جبل النار ، دارين أبوعيشة ، ذات الإثنين وعشرين ربيعا ، شعلة النشاط داخل "الكتلة الإسلامية " بجامعة النجاح ، والتي تدرس الأدب الانجليزى ، تبحث ، منذ بداية "انتفاضة الأقصى والاستقلال"، عمن يساعدها ، فكانت حركة "حماس" أول من لجأت إليها دارين ، ولكنها وجدت صدودا ، فتوجهت الى" الجهاد الإسلامي "، وكان الرفض حليفها ، للمرة الثانية ، حتى حققت لها "كتائب شهداء الاقصى "،(الجناح العسكرى لحركة فتح )، حلمها في الشهادة ، عندما وافقت على قيام دارين بالعملية الاستشهادية ، يوم 27/2/2002، بعد أن زودتها بسيارة ، ومرافقين من شباب فلسطين 48 ، لتصيب ثلاثة من رجال الاحتلال (36).
 آيات الأخرس ، طفلة ذات سته عشر ربيعا ، أنهت يومها الدراسى ، بتلقين العدو والحكام العرب درسا فى البطولة والفداء ، اقتحمت آيات أحد المتاجر فى مستعمرة "كريات يوفيل" ، بالقدس المحتلة فى 29/3/2002، وفجرت جسدها الطاهر ، لتقتل اثنين من الصهاينة ، وتصيب ثلاثة وعشرين آخرين ، مع رساله لكل محتل لم تستطيع قتله تقول فيها "لاأمن لمحتل فوق أرض فلسطين !لاللذل والمهانة والركوع !"(37).
 اجتياح مخيم البطولة والصمود ، جنين ، الهم إلهام الدسوقى ، ابة المخيم طريقة جديدة لعملية استشهادية رابعة ، عندما تسللت إلهام الى منزل على أطراف المخيم ، اقتحمته قوات الاحتلال الصهيونى ، وفجرت نفسها ، لتقتل اثنين ، وتجرح سته آخرين منهم ، طبقا لخطة وضعتها لها "كتائب شهداء الأقصى "، فى 4/4/2002 /(38).
 شدت عندليب طقاطقة برسالة الى الزعماء العرب العاجزين بعمليتها التى قامت بها انتقاما لضحايا جنين ، عندما تنكرت العندليب فى هيئة سيدة حامل ، وكان جنينها كمية من المتفجرات ، حاولت الدخول به مركز (ماهانى يهودا) التجارى بالقدس ، ولكنها لم تستطع للحراسة المكثفة . فعادت الى محطة الاتوبيس فى الشارع نفسه ، وماأن وصل الأتوبيس حتى فجرت عندليب نفسها وجنينها ، وأرسلت الرد إلى وزير الخارجية الامريكى كولن باول ، على إدعاإت السفاح شارون عن قرب نجاح عملياتة العسكرية فى القضاء على المقاومة  الفلسطينية ، وذلك بقتلها ستة من الصهاينة ، وأصابة أربعة وخمسين آخرين ، فى 12/4/2003م(39).
 قامت هبه ضراغمة ، ذات العشرين ربيعا ، بنت مخيم الصمود "جنين "، التى تنتمى الى "كتائب شهداء الأقصى "، بعملية استشهادية فى مدينة العفولة ، مما أسفر عن مقتل ستة صهاينة ، وإصابة 80آخرين ، من بينهم 12 حالة خطيرة ، عندما فجرت القنبلة التى تحملها بالقرب من محطة اتوبيس ، ردا على ماأكدتة سلطة الاحتلال بقيام قواتها بقتل واصابة عدة مئات من الفلسطينيين ، فى منطقة جنين ، وذلك فى 19/5/2003م (40).
 اما الاستشهادية هنادى جرادات ، بنت جنين ، التى انهت دراسة القانون فى جامعة جرش الاردنية ، عام 1999، فقد قررت ان تقتص لما أصاب شقيقها ،وابن عمها على يد قوات الاحتلال من تعذيب حتى استشهدا ، فقانت بعمليتها الاستشهادية داخل مطعم فى حيفا ، ادت إلى مقتل 22صهيونيا وجرح عشرات آخرين منهم ، وتبنت العملية حركة الجهاد الاسلامى (41).
 جاءت عملية الاستشهادية ريم الرباش ، الزوجة والأم لطفلين ، البالغة من العمر (22عاما)، عند معبر (ايريز) فى قطاع غزة ، يوم 14/1/2004، والتى قتلت أربعة جنود ، وأصابت اكثر من عشرة ، مفاجئة للعرب ـ فلسطينيين وغير فلسطينيينـ  قبل الصعاينة ، حيث نجحت المرأة الفلسطينية فى تغيير وجه نظر واحد من أكبر الفصائل السياسية والعسكرية فى فلسطين وهى (حماس)فى مشاركة المرأة فى العمليات الاستشهادية ، استطاعت ريم اقناع " كتائب عز الدين القسام "، الجناح العسكرى لحركة "حماس" ، بقيادتها بهذة العملية المتميزة ، فهى الأولى من نوعها فى قطاع غزة ، وهنا يثبت للعدو فشلاجهزته الأمنية فى توقع نوع ومكان الضربة كما أن ريم زوجه وام لطفلين ،ولكنها أحست انها أم لجميع اطفال فلسطين ، فكانت تعتصر الما ، عند مشاهدتها مجازر الاحتلال .فضحت بروحها ، لكى ترعب عدوها ويرحل عن أرضها ويترك محمد وضحى ، لنيها وسائر اطفال فلسطين يعيشون فى آمان ، جاء بيان "كتائب الشهيد عز الدين القسام "، "وكتائب شهداء الأقصى "، يزف الاستشهادية القسامية الأولى فى قطاع غزة ، لتؤكد على استمرار مسيرة الجهاد والمقاومةلمواجهة العدو الغاشم (42).
 أصبحت ريم بعمليتها النوعية رمزا للوحدة الوطنية الفلسطينية فى الأرض والتنظيم ، بمشاركة فصيلين فى التنسيق بينهما ، لتنفيذ العملية .وانها أول عملية تقع على أرض قطاع غزة .ضد أعداء البشرية الذين يعثون فى الأرض فسادا (43).
 اجتاحت قوات الاحتلال فجر يوم الاحد 21/3/2004 ، بلدة عبسان شرقى محافظة خانيونس ، وحاصرت منزل القائد القسامى باسم قديح ، وتشابك معهم هو وزوجتة ، وتمكنا من تفجير عبوة فى دبابة صهيونية ، وبعدها قاما بتفجير نفسهما  بحزام ناسف بين صفوف الاعداء الذين اقتحموا المنزل عليهم ، موقعين فيهم الجرحة والقتلى (44).
 الاستشهادية زينب على عيسى ابو سالم (18عاما) بنت مخيم عسكر القديم شرق مدينة نابلس ، فجرت نفسها بالقرب من محطة انتظار لجنود الاحتلالالمتجهيين الى مستوطنة "معليه ادويم " فى القدس المحتلة ، وقد نفذت العملية رغم خضوعها للتفتيش من قبل رجال الأمن الصهاينة قبل وصولها الى المحطة المقصودة ، وقد اسفرت العملية عن قتل جندى ومستوطن صهيونى واصابة16  من جنود الاحتلال ،وتبنت كتائب شهداء الآقصى" العملية ، وذلك يوم 22/9/2004م (45).
 يضاف ألى سجل الاستشهاديات مااعلنت عنه صحيفة "هآرتس" الصهيونية ، بتاريخ 16/1/2004، من أن الجيش الصهيونى قبض خلال "انتفاضة الأقصى والاستقلال" ، على أربع وعشرين فتاة ، كن يحاولن تنفيذ عمليات استشهادية اضافة الى ست عشرة فتاة أخرى ساعدن استشهاديين فى تنفيذ عملياتهم ، ومن هؤلاء الفتيات الاتى قمن بنقل ومساعدة العديد من الاستهاديين (46).*

شهيدات
 بلغ عدد السيدات الفلسطينيات الشهيدات ، خلال الفترة من 29/9/2000حتى 31/10/2005، 270 شهيدة ، كان نصيب العام الأول 31شهيدة ، تضاععف هذا العدد فى العام الثانى للآنتفاضة ، فبلغ 61 شهيدة ، وكان نصيب السنة الثالثة 92شهدية ، والسنة الرابعة 69 ، بينما كان نصيب السنة الخامسة 91 شهيدة (47).
 قتل النساء العزل والأطفال الأبرياء ، جرائم استمرأها الاحتلال الصهيونى ، الأم الفلسطينية نهلة عقل ، البالغة من العمر (41عاما)تلقى حتفها ، ويصاب أطفالها الثلاثة ، إثر تعرضهم لقصف بالأباتشى الاسرائلية ، وهم فى طريقهم لزيارة بيت العائلة ، وهذة السيدة هونيدا بريكة (26عاما)، في حالى موت سريري ، إثر إصابتها بعيار ناري في الرأس(48).
 لم تعط قوات الاحتلال الشهيدة نيفين احمد أبورجيلة ،ذات العشرين ربيعا ،الفرصة لتفرح بحصولها على درجة "الامتياز"،حيث عاجلتها صواريخ طائرات الباتشى ،يوم ظهور نتيجتها بكلية العلوم بالجامعة الإسلامية بغزة ، وقبل ان تصل لذويها بالخبر السار،لفظت انفاسها الأخيرة ، ونالت الشهادة ،والامتياز ، في آن (49).
 استشهدت نهى صبرى سويدان ، وجنينها ، قبل ان يرى النور ب48 ساعه ، تاركة وراءها اسرة مكونه من عشرة اطفال ، رحلت ومعها السعادة فى عيون اطفالها ، عندما ضحت بحايتها ، وهى تحاول حمايتهم من القصف الذى كان يدوى فى المكان ، إثر الانفجار الذى أسقط جدران المنزل عليهم ، ولفظت انفاسها الخير

*ـ  دعاء الجيوش (21عاما)،من طولكرم ، ساعدت استشهاديا من "الجبهة الشعبية "، من منطقة نابلس الى مدينة نتانيا ، فى 19/5/2002، حيث فجر نفسه امام سوق ، فأدى الى وقوع ثلاثه قتلى وعشرات الجرحى ،
ـ أحلام التميمى ، من رام الله ، أقلت الاستشهادى منفذ عملية مطعم سبارو ، فى القدس الغربية ، فى 9/8/2001 ، من نابلس ، ونتج عنها مقتل 15 صهيونيا ، وجرح مائة آخرين ؛
ـ  ليلى بخارى (29عاما) ، من مدينة نابلس ، ساعدت الاستشهادية دارين أبو عيشة فى عمليتها ، وتم اعتقالها فى 1/7/2002؛
ـ  ثناء القدسي (25عاما)، أ/ لطفلة ، تم القبض عليها ، قبل تنفيذها عملية استشهادية ؛
ـ نورية حمود(26 عاما) ، اعتقلت من منولها ، قبل الذهاب للقيام بعملية استشهادية فى القدس؛
ـ  تهانى الطيطى (24عاما)، بنت مخيم العروب ، اعتقلت قبل تنفيذ عملية استشهادية ؛
ـ عبير حمدان (27عاما)، من نابلس ، استشهدت جراء انفجار عبوة ناسفة كانت تنقلها فى سيارة عمومية ، بين طولكرم ونابلس ، بتاريخ 31/8/2001؛
ـ أيمان عيشة (28عاما)، زوجة وأم لطفلين ، من نابلس ، تم اعتقالها خلال وضعا عبوة ناسفة ، موجودة داخل حقيبة ، فى المحطة المركزية للباصات فى تل أبيب؛
ـ آمنه مهنى (26عاما) ، خططت ، مع حسن القاضى ، ناشط من حركة "فتح" ، لاستدراج وقتل الصهيونى أةفير وحوم ، عن طريق شبكة الانترنيت ، وفيما بعد اغتالت المخابرات الصهيونية القاضى ، واستشهد معه عدد من الأطفال ؛
ـ إيرينا سراحنه ، أسهمت فى نقل الاستشهادي عيسى بدير (16عاما)، وهو أصغر استشهادى فى الضفة الغربية ؛
ـ سناء شحادة (27عاما)، من مخيم فلنديا ، ساعدت استشهاديا للدخول الى شارع يافا فى تل أبيب ، بتاريخ 21/3/2002، مع قاعرة سعدى البالغة من العمر (26عاما)، ، الزوجة والأم لآربعة أطفال ؛
ـ أيمان أبو قوصة (21عاما)، اعتقلها جنود الاحتلال ، فى أحدى المستوطنات عندما كانت مختبئة ، للقيام بعملية استشهادية ؛
ـ تغريد السعدى ، وشقيقتها بهسية ، ساعدتا الاستشهادية عندليب طقاطقة ؛
ـ لينا جريون ساعدت فى إدخال استشهادين من "الجهاد".
ولم يستطع احد اسعافها ، أستشهدت نهى ، تاركه ابنتها ، نسمة ، الطفلة ذات الستة عشر سنة، لتربي إخواتها التسع، تقول نسمة: "سأرك مدرستي، وأربي إخوتي"، لتواصل رحلة العطاء والتضحية التي بدأتها أمها، وتخط، بسنين عمرها القليلة، سطوراً تضاف إلى قصص البطولة، والغذاء، والتضحية، ومجد المرأة الفلسطينية، كما حرصت الشهيدة رسمية عايد عرار، عضو الهيئة الإدارية للنادي النسوي في قرية قراوة بني زيد، على أن تكونفي الخطوط الأمامية في أية مواجهات تتسم بالشجاعة، التي هي صفة مشتركة في جميع نساء فلسطين، فتضحي بروحها، في لحظات الشدائد، تركت رسمية (أم دعاء) البالغة من العمر 39 عاماً، بناتها السبع أصغرهن حنان، بنت العامين مهرولة في محاولة لانقاذ أحد أبناء قريتها، رامز، الذي لم يتجاوز 18 عاماً، بعد أن أصيب برصاصة من النوع الثقيل، في الصدر، حاولت أم دعاء سحب رامز إلى الخلف في منطقة أمنية، لكن رصاصات العدو سبقتها، وعندما تقدم الشباب لإسعافها، صرخت تطلب الاهتمام برامز، لاصابته الأخطر، ولم يمهل القدر رامز، ولا أم دعاء، وسقط الاثنان شهداء (50) يجب ألا ننسى والدة أم دعاء، التي استشهد ابنها، أسامة عايد عرار (23 عاماً)، قبل شهر تقريباً، من استشهاد أخته رسمية عايد عرار (أم دعاء). (51)

حكم العدو الصهيوني على الطفلة أسماء، التي لم تتجاوز 6 سنوات، أن تكون أم الثلاث أطفال أصغرهم (علي) ولم يتجاوز الأربعة أشهر، عبد الرحمن، ثلاث سنوات نصف، وعدي، سنتان ونصف، بعد أن فقدت أسماء أمها الشهيدة وداد العجرسي التي استشهدت بنيران قوات الاحتلال الصهيوني في مجزرة رفح البشعة، جزاء لها لمد يد المساعدة لمنكوبي المجزرة، من اهل بلدتها. (52)

ربت خمسة أبناء على حب الوطن والجهاد، كان ثمرة جهادها استشهاد أبنها، الشهيد المجاهد أحمد، قبل استشهادها بثلاثة أشهر، الشهيدة سعاد حسن صنوبر "أم احمد"، مثل آخر للأم المجاهدة، في صباح يوم 24/1/2003، تقع الشهيدة سعاد، وأبنها الثاني عبد الله، والشهيد أيمن في كمين مدبر، نصبه لهم جنود الاحتلال على حاجز عسكري، في المدخل الجنوبي لمدينة نابلس، استشهدت سعاد، وأيمن، وجرح أبنها عبد الله، واعتقل لدي قوات الاحتلال، ولم يعرف مصيره. (53)

رفقاء درب الكفاح، وشقيقتان، سامية دلول (21 عاماً)، وماجدة دلول (25 عاماً)، كافحا معاً، في المجالات الاجتماعية والنفسية، والتربوية، لخدمة جميع أفراد وطنهم حصلنا على شهادات تقدير في الإسعافات الأولية من "الهلال الأحمر الفلسطيني"، وثانية في تربية الأطفال، وثالثة في إدارة الأزمات، ورابعة في الكمبيوتر.  أخيراً نالتا الشهادة العظمى، عندما لقيا حتفهما، جراء اصابتهما بشظايا صواريخ الأباتشي، علي سيارة الشهيدان تيتو مسعود، وسهيل أبو نحل، من قادة "كتائب الشهيد عز الدين القسام"، في حي الزيتونة بغزة، في 11/6/2003. (54)

دافعت عن أطفالها، بفطرتها كأم، الثمن حياتها دفعتها ثمناً لانقاذ حياة طفلها، محسن، الذي لم يتجاوز أشهره التسعة، الشهيدة سريدا فرحان أبو غربية من رام الله، استشهدت أثناء ذهابها إلى منزل والدها، بحثاً عن الأمان، حينما توغلت قوات الاحتلال في رام الله، أثناء عملية "السور الواقي"، فقتلها الأعداء لأنها إمرأة فلسطينية، ستنجب أطفالاً، يشكلون نواة لجيل المقاومة القادم. (55)

نخلص من هذا كله أن
المرأة الفلسطينية تتميز بخصوصية، تميز قضيتها الوطنية، حيث تصر المرأة الفلسطينية على انتزاع حقوق وطنها، وتحارب من أجلها، وعندما تطالب بحق لها، فذلك بهدف تدعيم وتعزيز حق الوطن المسلوب، وأيضاً، لإتاحة الفرصة لها للقيام بالدور المنوط بها في الكفاح ضد العدو الصهيوني.

رفعت المرأة الفلسطينية شعارى:" سوف تحرر النساء عندما يتحرر المجتمع " ، "النساء والرجال جنبا إلى جنب في المعركة "(56).
  لقد لعبت المراة الفلسطينية دوراً مهماً في "انتفاضة الأقصى والاستقلال" في تغيير بعض المفاهيم لدى اكبر الفصائل الفلسطينية الإسلامية، وخصوصاً حركة "حماس"، وذلك باعترافها، عملياً، بأهمية دور المراة في الكفاح المسلح، والسماح لها، لاحقاً، بالقيام بعملية استشهادية.

كان للمرأة الفلسطينية، ولا يزال، دور هام في النضال الوطني ورغم هذا الدور المشرف فأن ثمة تمييزاً صارخاً ضد المراة الفلسطينية يتخذ أشكالاً عدة، من بينها تدني المشاركة النسائية في قوة العمل، وانعدام المساواة للمرأة العاملة، وتدني مستوى الأجور للسيدات، بالمقارنة لأجور العمال الذكور، حيث يصل إلى النصف.  إلى التميز في فرص التعليم، فنسبة الأمية لنساء حوالي 20.1% بينما في الذكور لا تزيد عن 7.7%.  إلى ذلك تخضع المرأة الفلسطينية لقهر اجتماعي صارخ، يتمثل في انخفاض سن الزواج للفتيات، التميز في المكانة، والحقوق بين الزوجين داخل الأسرة، فضلاً عن الحرمان من حق الإرث…الخ (57).

ترتب على مظاهر التمييز السابقة تدني مشاركة النساء في الحياة العامة، وضعف دور المرأة في عملية صنع القرار سواء على الصعيد السياسي، أو الاقتصادي. (58)

لا نزال في مرحلة التحرر الوطني، التي تمنع من إيجاد توازن بين المحورين، فالارتقاء بدور المرأة في النضال الوطني، يعزز دورها في عملية صنع القرار، ويدعم بالتالي نضالها من أجل التحرر الاجتماعي، والمساواة مع الرجل، إن التحرر الفعلي لمرأة يتطلب تحولاً شاملاً في المجتمع، ولذلك فإن نضال المرأة من أجل التحرر والمساواة يجب أن يكون جزءاً عضوياً من النضال الشامل للتطور الاقتصادي والحضاري للمجتمع، وتكريس الديمقراطية فيه. (59)
بقلم:آمال الخزامى

VN:F 1.9.16_1159
Rating: 4.0/10 (1 vote cast)
Share on FacebookTweet about this on TwitterShare on Google+Share on Tumblr
أضف تعليقك
VN:F 1.9.16_1159
Rating: 5.5/10 (2 votes cast)

"يجب ضرب الفلسطينيين، ضرباً موجعاً،
 وعلينا إلحاق الخسائر بهم، وإيقاع الضحايا، كى يشعروا بفداحة الثمن".
آرييل شارون، فى حديثه للصحافة (5/3/2002)

"إن رئيس الوزراء (شارون) رجل السلام". الرئيس الأمريكى، جورج دبليو بوش (18/4/2002)

تعد عمليات الاغتيال والتصفية الجسدية التى تنتهجها قوات الاحتلال الصهيونى، انتهاكاَ صارخاً لكل القوانين والمواثيق، والأعراف الدولية، التى تؤكد على الحق فى الحياة، كأحد الحقوق الأساسية للإنسان0
رغم ذلك انتهجت الصهيونية سياسة القتل خارج القانون، بطريقة منتظمة، ومحكمة، طبقاًَ لتخطيط مسبق، للقضاء على جميع الكوادر والنشطاء الفلسطينيين، الذين يقفون حجر عثرة فى وجه الاحتلال الغاشم0
لقد أيد التجمع الصهيونى تلك السياسة، حينما أعرب 75% من الصهاينة عن اعتقادهم بضرورة أن تواصل إسرائيل سياسة الاغتيالات ضد الفلسطينيين0(1)
كما حظيت عمليات الاغتيال هذه بمباركة صناع القرار الصهاينة، على كل المستويات، وأيضاً، مباركة القضاء العسكرى، إذ بارك الجنراك باراك، رئيس الحكومة الصهيونية السابق، عمليات الاغتيال، وحيامنفذيها، معتبراً إياها تندرج فى إطار سياسة الدولة فى مكافحة الإرهاب0
بينما اعتبر رئيس الدولة الإسرائيلية، موشيه كتساف "أن اغتيال الكوادر الفلسطينية دفاع عن النفس"0(2)
فيما بعد، كان إقرار المجلس الوزارى الإسرائيلى المصغر، يوم 3/7/2001، الخاص بسياسة الاغتيالات هو الأوضح والأخطر، حيث نص على مواصلة سياسة الاغتيالات، والتصفيات ضد ناشطين فلسطينيين0 ثم عاد وقرر، يوم 1/8/2001، مواصلة سياسة الاغتيالات للناشطين الفلسطينيين، موضحاً "بأن لا أحد من الفلسطينيين محصن أمام الاغتيالات"0
كما أكد شارون "بأن سياسة الاغتيالات، التى ننتهجها فى مواجهة الإنتفاضة الفلسطينية، هى أفضل السياسات التى تلبي احتياجات إسرائيل الأمنية"(3)0
فيما أتى ضعف الموقف العربى، وتردده على مستوى الحكام، وعجزه على مستوى الشعوب، للدرجة التى يصل فيها الحد، لإدانة بعض الأنظمة العمليات الإستشهادية، ووصفها بالإرهاب، موافقاً للموقف الأمريكى، الذى يعتبر أفعال شارون الإجرامية ضد الفلسطينيين " دفاعاً عن النفس"، ضد " الإرهاب الفلسطينى"، مطالباً جميع الغرب التعاون مع الاحتلال الصهيونى، " للقضاء على الارهاب من أجل السلام"، بينما الموقف الأوربى، الذى لا يستطيع أن يتجاوز سقف الإدارة الأمريكية، أخذ يشجب ويندد، معبراً عن عجزه أمام الولايات المتحدة الأمريكية، والكيان الصهيونى، أى أن كل هؤلاء قدموا دعماً مباشراً لشارون وسياسته(4)0
لماذا الاغتيال ؟
أعلن باراك بأن الحرب ضد الفلسطينيين، منذ بداية " انتفاضة الأقصى والاستقلال"، " هى المعركة الأخيرة فى الحرب من أجل (أرض إسرائيل000)(و) إن حدود إسرائيل فى هذه المعركة هى حيث يجرى وضع آخر وفد إستيطانى"0 وأن إسرائيل على أعتاب وضع جديد، وأنه لم يعد هناك شريك للسلام بين الفلسطينيين0 أردف باراك:"أن إسرائيل تخوض حرباً مع الفلسطينيين، ويجب ضرب الأهداف الفلسطينية بقوة، وضرب القيادات الفلسطينية، بقوة"(5)0
فيما صرح وزير الدفاع السابق، بنيامين بن اليعازر،" إن ما يجرى مع الفلسطينيين لهو حرب، من نواح كثيرة"(6)0
أما شلوموبن عامى، فقال" إن المجابهات الجارية مع الفلسطينيين هى المعركة الأخيرة، الأكثر حسماً، منذ عام 1948"(7)0
فى اختصار، تعد عمليات الاغتيال نمطاً من أنماط  التدابير الاحترازية، الذى تلجأ اليه قوات الإحتلال الصهيونى، فى مواجهة القيادات والنشطاء الخطرين على أمن قوات الاحتلال، كما تتخذه إجراءً وقائياً، وأيضاً، عقوبة لمن قام بالتخطيط، والتنفيذ لعمليات ضد العدو الصهيونى0
تستخدم قوات الاحتلال عمليات التصفية الجسدية بحق الشعب الفلسطينى، كردع ولإرهاب المواطنين، لحملهم على عدم المشاركة فى أعمال المقاومة0
كما تعتبر تلك العمليات رد فعل على أعمال المقاومة والعمليات الإستشهادية، التى باتت تمثل تهديداً استراتيجياً للكيان الصهيونى0
لقد حاول شارون، بكل الطرق غير الإنسانية، والعمليات الإجرامية، والتصفية الجسدية للشعب الفلسطينى، أن يغطى التدهور الإقتصادى المستمر، فمنذ بدء الإنتفاضة  والصهاينة لا يعرفون الأمن، سواء على المستوى الاقتصادى، أو الاجتماعى فى حياتهم0 كذلك الأوضاع الداخلية للكيان الصهيونى ، خاصة بظهور رئيس الوزراء الأسبق بنيامين نيتانياهو على الساحة، مرة أخرى، كمنافس لشارون، ما جعل الأخير ثوراً هائجاً، يحاول حماية موقعه أمام مسطوطنية، بكل الطرق، غير الإنسانية(8)0
التخطيط
ثمة مجموعات من المستعربين فى جيش لاإحتلال الصهيونى، يطلق عليهم " القوات الخاصة"، يعيشون فى قرية مصنوعة من الجص،  اصطنعها جيش الإحتلال، ليتدرب فيها أفراد " القوات الخاصة" على نمط الحياة الفلسطينية، وعادات وتقاليد أهل الضفة والقطاع، حتى لا يثيروا الشكوك فى شخصياتهم، عندما يقومون بأعمال اختطاف واغتيال داخل المجتمع الفلسطينى الحقيقى(9)0
يعود ظهور وحدات المستعربين الخاصة، إلى عام 1987، حيث ظهر جنود إسرائيليون متنكرون بالزى العربى، وأطلقوا النار على بعض نشطاء الإنتفاضة، وقد كشف إيهود باراك عن وجود وحدات تسمى "دوندفان"، و "شمشون"، تتغلغل داخل المجتمع الفلسطينى، للقضاء على ما أسماه" النواة الصلبة للإنتفاضة"(10)0
تعتبر وحدات المستعمرين أهم قوات لدى الإحتلال الصهيونى، حيث أن عمليات الاعتقال، والاغتيال التى تتطلب جرأة، وشجاعة، مما يتطلب اختيار هذه العناصر، بعناية، وبشروط خاصة، مثل إجادة اللغة العربية، وسرعة إطلاق النار، ويكونون قريبى الشبه بالفلسطينيين، من حيث الملامح، والملابس، حسب الحالة، كما أنهم يتلقون تدريبات مستمرة فى مناطق معدة، لتحاكى واقع المجتمع الفلسطينى، وتسليحهم ببنادق أو رشاشات صغيرة0
تعد مهمتهم اختطاف واعتقال، أو تصفية المواطنين الفلسطينيين، الذين تعتقد سلطات الإحتلال الإسرائيلى بأنهم يشكلون خطراً على أمنها0 فقد اشتركت تلك القوات فى اغتيال أكثر من 200 ناشط فلسطينى، منذ عام 1987، حتى عشية اندلاع " انتفاضة الأقصى والاستقلال"(11)0
لقد تعرضت تلك الوحدات، لعدة إخفاقات، جعلتها مثار سخرية وانتقاد من الصحافة الصهيونية، الأمر الذى أدى الى تقليص نشاطها، عدة مرات، وتغيير قياداتها، بعد كل عملية فاشلة، ومن أشهر تلك العمليات عملية عصيرة العشمالية، قبل بدء " انتفاضة الأقصى والاستقلال"، محاولين اغتيال الشهيد محمود أبو الهنود، الذى نجا منها، بعد أن نجح فى قتل ثلاثة من ضباط هذه الوحدات، وإصابة آخرين(12)0
كشفت الصحف العبرية عن أن جيش الإحتلال يقوم باستخدام وحدات سرية جديدة، فى مطاردة المسلحين الفلسطينيين فى الضفة الغربية، ويطلق على هذه الوحدات اسم "دوندفان"، نسبة إلىأحد  الطيور الجارحة، وقد أعاد الجيش الإسرائيلى تشكيل فرقه السرية الخاصة، التى أسهمت فى اغتيال ناشطى الإنتفاضة الأولى، كما أسهم الذراع العسكرى للشاباك (دوبدوبان) فى اغتيال أبرز النشطاء، ما بين عامى 2000،1994، كما يقوم بالعمليات الاستخبارية والاعتقالات، والعمليات التخريبية فى الأرض المحتلة0 الى ذلك استخدم الجيش الصهيونى الوحدات الخاصة للإغتيالات، التى تستهدف قيادات ونشطاء الإنتفاضة، وتعتمد هذه الوحدات على المعلومات التى يزودها بها جهاز المخابرات العامة (الشاباك) (13)0
عادت تلك الوحدات الى نشاطها، بقوة كبيرة، خلال عملية " الجدار الواقى"، مما تسبب فى اعتقال، واغتيال العشرات من القادة الفلسطينيين0 ولعل من أبرز عمليات الاعتقال التى قامت بها، اعتقال أمين سر حركة فتح فى الضفة الغربية، مروان البرغوثى(14)0
يقول أحد ضباط وحدة المستعربين " دوندفان"، الذى تم تسريحه، بعد أن شارك فى مئات العمليات، منها عمليات غير قليلة فى الاغتيالات، "لا يجب اعتبارى مغتالاً، وأنا لست مقاتلاً مأجوراً للمافياً"0وإن قرار الاغتيال يكون من صلاحيات المستوى السياسى، وحده0 ويضيف بأن اختيار طريقة الاغتيال، سواء كانت سكينا أو مسدساً، أاو صاروخاً من مروحية، يكون بملاءمة طريقة العمل مع الوضع على الأرض0 وفى أغلب الأحيان يكون هذا قائماً على استخبارات محددة، وتأتى التعليمات لنا بألا نخاطر بأنفسنا، وعلينا، عندمانقوم باعتقال أحد المطلوبين، بإطلاق النار عليه، فوراً، إذا قام بأى حركة(15)0
إن هذه الوحدات لاتتورع عن ارتكاب أفظع الإنتهاكات، سيما وأن عملياتها سرية، ولا تخضع لأي ضوابط، أو قوانين0 وأيضا، وظفت دولة الاحتلال جيشها، بكل وحداته، وأسلحته، وتقنياته العالية، فى حربها الشاملة ضد الشعب الفلسطينى، واستخدمت تقنيات عالية ومتطورة فى عمليات الاغتيال(16)0
اغتيال المواثيق الدولية
استمرأت حكومة الإحتلال الصهيونى انتهاك المواثيق الدولية كافة، بما تقترفه تلك الحكومة من عمليات إغتيال، واعدام، فردية وجماعية، ما يعد جرائم حرب، تجرمها أحكام وقواعد القانون الدولى الإنسانى0 حيث تعد جرائم القتل، انتهاكاً صارخاً للقانون الدولى الإنسانى، الذى يؤكد على الحق فى الحياة، كأحد الحقوق الأساسية للإنسان0 فقد نصت م(3) من اتفاقية جنيف الرابعة، المؤرخة فى 12 آب / أغسطس 1949، على أن "تحظر الأفعال التالية: فيما يتعلق بالأشخاص المذكورين (المحميين)، وتبقى محظورة، فى جميع الأوقات، والأماكن،
1-  الإعتداء على الحياة، والسلامة البدنية، وبخاصة القتل بجميع أشكاله، والتشويه، والمعاملة القاسية، والتعذيب"0 وأيضا، م(27)، التى تنص على أنه "للشخاص (المحميين)، فى جميع الأحوال، حق الاحترام لأشخاصهم، وشرفهم، وحقوقهم العائلية، وعقائدهم الدينية، وحمايتهم، بشكل خاص، ضد جميع أعمال العنف أو التهديد000"0
تعد جرائم حرب، طبقاً لتلك الاتفاقات، أى فعل من الأفعال التالية، ضد الأشخاص، أو الممتلكات الذين تحميهم أحكام الاتفاقية:
أ- القتل العمد،
 ب-4 تعمد شن هجوم، مع العلم بأن هذا الهجوم سيسفر عن خسائر تبعية فى الأرواح، او عن إصابات بين المدنيين ، أو إلحاق أضرار مدنية، من (6) قتل أو جرح مقاتل استسلم مختارا.
(ح-4)0 إصدار أحكام، و تنفيذ اعدامات0 دون وجود حكم سابق، صادر من محكمة مشكلة، وضمانات قضائية0
 (هـ،(و) قتل أحد المقاتلين من العدو، أو إصابته، غدراً(17)0
كما أن " الإعلان العالمى لحقوق الإنسان" نص فى م(3) منه، على أن " لكل فرد الحق فى الحياة، والحرية، وفى الأمان على شخصه".
وتؤكد م(7) من" العهد الدولى للحقوق المدنية والسياسية" على أن " الحق فى الحياة حق ملازم لكل إنسان0 وعلى القانون أن يحمى هذا الحق0 ولا يجوز حرمان أحد من حياته، تعسفاً"0 وتنص م(4) من العهد نفسه على أنه " لا يجوز الانتقاص من حق الحياة، حتى فى أوقات الطوارىء العامة، التى تهدد حياة الأمة"(18)0
تعد سياسة الاغتيالات، التى تنتهجها إسرائيل ضد الفلسطينيين، وفقاً لمبادىء القانون الدولى العام، والانسانى، ضمن نطاق حالات الإعدام غير القانونى0 أو الإعدام دون محاكمة، وحالات القتل العمد، والإرهاب0
من ثم تتحمل إسرائيل المسئولية الجنائية والمدنية عليها، فى آن ، وما تقوم به سلطة الاحتلال من انتهاكات، وعمليات تصفية يعطى الفلسطينيين، كمتضررين من هذه الانتهاكات، الحق فى المساءلة المدنية، لكيان الاحتلال الإسرائيلى، وطلب تعويض الأفراد المتضررين، ولا يعفى اسرائيل بتنفيذها تلك الطلبات، من الوقف الفورى لأعمالها غير الشرعية، وعن مسئوليتها الجنائية الدولية، لأن الشق الجنائى لا يسقط، بتنفيذ الشق المدنى0
عليه يكون من حق الفلسطينيين ملاحقة ومساءلة الآمرين، الذين أمروا بإرتكاب تلك الجرائم على أرضها، سواء كانوا عسكريين، أو ساسة، أو رجال دولة، ولا يسرى التقادم المسقط، المعمول به فى التشريعات الجنائية الداخلية، على الجرائم الدولية، ما يعد من أهم الضمانات التى تضمن للشعب الفلسطينى حقه فى القصاص(19)0
يتضح مما سبق بأن عمليات الاغتيال والقتل، التى ينفذها العدو الصهيونى بحق المدنيين الفلسطينيين، يعتبر انتهاكاً لكل المواثيق والأعراف الدولية، كما أنها انتهاك صارخ لقواعد حقوق الانسان، التى تؤكد على الحق فى الحياة، وتحرم إعدام المدنيين0 فهناك الكثير من المدنيين قتلوا فى عمليات الاغتيالات، والتفجير فى المدن، والقرى، والمخيمات(20)0
 الجدير بالذكر أن إجمالى عدد شهداء " انتفاضة الأقصى والاستقلال"، فى الفترة من 29/9/2000 حتى 31/7/2004 يقدر بـ 3464 شهيدا،ً يضاف إليهم 196 شهيداً لم يتم تسجيلهم، بسبب الإجراءات الإسرائيلية0
 كان نصيب الأطفال (أقل من سن 18 عاماً)  632شهيداً، والإناث 239 شهيدة، بينما عدد الشهداء من المرضى، جراء الإعاقة على الحواجز الإسرائيلية، 113 شهيداً، ما بين طفل رضيع، وسيدة، وشيخ مسن، من مرضى القلب، والكلى، والسرطان، ولم يسلم الأطباء والاعلاميون والرياضيون من غدر الصهاينة، فكان نصيب الطواقم الطبية والدفاع المدنى 31 شهيداً، والاعلاميين، والصحفيين 9 شهداء، وحظى الرياضيون بنصيب الأسد، فكانوا 220 شهيداً رياضياً، من خيرة شباب فلسطين(21)0
 أما عدد الذين تماغتيالهم، على يد العدو، فى السنوات الأربع الأولى من عمر " انتفاضة الأقصى والاستقلال"، فيقدر بـ  597 من الشهداء.

 على سبيل المثال، لا الحصر، اغتالت قوات العدو عدداً من القادة العسكريين والسياسيين للفصائل الفلسطينية كافة، منهم: حسين محمد سالم عبيات، هانى حسين أبو بكر، ثابت أحمد ثابت، محمود سليمان المدنى، عمر أحمد سعادة، صلاح نور الدين دروزة، جمال عبد الرحمن منصور، أبو على مصطفى الحاج على، محمود محمد الشوملى أبو هنود، رائد سعيد الكرمى، قيس عدوان، ناصر خالد جرار، ابراهيم أحمد خالد المقادمة، عبد الله عبد القادر القواسمة، اسماعيل حسن أبو شنب، الشيخ صلاح مصطفى شحادة، ورفيقه زاهر نصار، الذين أودت غارة اغتيالهم  بحياة 14 مدنياً أعزل إلى جانبهما بجروح خطيرة،بينهم 8 أطفال أبرياء ،واصابت 77 مدنيا بجروح خطيرة، كما اسفرت الغارة نفسها عن هدم 11 منزلاً، هدماً كلياً، وأصيب 32 منزلاً بأضرار جزئية(22)0
 
بيد أن ثمة حاجة إلى توزيع شهداء الانتفاضة ،على مدى السنوات الأربع لانتفاضة "الأقصى والاستقلال،"توزيعا يغطى كلا من المكان ،والزمان ، والفصائل.
فيما يلى جدول بأسماء شهداء الاغتيالات الإنتقائية الإسرائيلية، على مدى السنوات الأربعة الأولى من عمر الانتفاضة0.
بقلم:آمال الخزامى
 

 

VN:F 1.9.16_1159
Rating: 5.5/10 (2 votes cast)
Share on FacebookTweet about this on TwitterShare on Google+Share on Tumblr
أضف تعليقك
VN:F 1.9.16_1159
Rating: 4.5/10 (2 votes cast)

افتتاح العام الخامس
عشية انقضاء السنة الرابعة من عمر "انتفاضة الأقصى والاستقلال"، ألمت بالرئيس ياسر عرفات وعكة صحية ،استفحل امرها ،باطراد .وكانت الصحف الإسرائيلية قد أخذت تناقش ـ منذ صيف 2004ـ مرحلة مابعد عرفات .فيما كان الرئيس الأمريكى ،جورج دبليو بوش ، قد صرح ،فى 17/6/2002، عقب لقائه رئيس الوزراء الإسرائيلى، آنذاك ،أرييل شارون ،بأن الشعب الفلسطينى فى حاجة إلى قيادة جديدة .
لقد أحس كبار المسئولين الأمريكيين والإسرائيليين بأن عرفات يراوغ ،بعد أن كان سار طويلا معهم فى طريق التسوية . وفى هذا الصدد ،كتب شيمون بيريز مقالا ، نشرته يومية سعودية ،فى لندن ،بعد يومين من وفاة عرفات ، ربما كان عنوان المقال كافيا للتعبير عن مضمونه :"فتح أبواب التاريخ لكنه لم يمض إلى الشوط الأخير "،(  23)  ولهذا قتلناه! ربما كانت هذه تكملة العنوان.
صحفىإسرائيلى صديق لشارون ،وكاتم أسراره، هو أوري دان ، كتب، عشية رحيل عرفات "إن يدي شارون قد أطلقتا ،في أعقاب محادثتة مع الرئيس بوش ،فى14/4/2004 ، وعندها بدأ الوضع الصحى لعرفات بالتدهور "(24).
كما لاحظ الصحفي الإسرائيلي الليبرالي ، أمنون كابليوك بأن وفاة عرفات لم تكن طبيعية ، بل تدخلت فيها "أيدغريبة" ! خاصة وأنه سبق للأمن الإسرائيلي أن حاول اغتيال رئيس المكتب السياسى لحماس ،خالد مشعل ، فى عمان ، فى سبتمبر/أيلول 1997،فما الذى يمنع ذاك الأمن من التكرار مع عرفات ؟!خاصة وأن شارون لطالما هدد بتصفية الحساب معه؟!(25)
فى المحادثة الهاتفية بين شارون وبوش (14/4/2004)،أشار الأول إلى أنه فى حل من تعهده بعدم المس ، جسديا ،بياسر عرفات .عندها أجابه بوش :"ربما من الأفضل إبقاء مصير الرئيس الفلسطينى بيد خالق الكون". سارع شارون إلى الرد :"إن خالق الكون يحتاج إلى المساعدة ،فى بعض الأحيان!". وتوجه شارون،من فوره،إلى الصحفيين ،معلنا بأن يديه مطلقتان بشأن رئيس السلطة الفلسطينية .(26  )

  محاولات اغتيال فاشلة

 قام الكيان الصهيونى بمحاولات عدة، لاغتيال كثير من الكوادر الفلسطينية، باء بعضها بالفشل، لأسباب خارجة عن إرادته، منها جريمة الاغتيال الفاشلة لقيس عبد الكريم ( أبو ليلى)، المسئول الأول " للديمقراطية" فى الداخل ، فى 1/9/2001 0

 فى 10/6/2003، كانت محاولة الإغتيال الفاشلة للدكتور / عبد العزيز الرنتيسى، عضو القيادة السياسية فى " حماس"، حين قصفت طائرات الأباتشى السيارة التى كان يستقلها هو ومرافقوه، استشهد أحدهم، وأصيب اثنان منهما بجراح خطيرة، منهم ابنه 0 كما تعرض محمد ضيف، مسئول الجناح العسكرى  لحماس، لثلاث محاولات اغتيال فاشلة(27)

 تلقت حكومة شارون، فى 6/9/2003، الضوء الأخضر، من حليفتها، الولايات المتحدة الأمريكية، بعد أن تمكنت من إقناع الإتحاد الأوروبى بإمكانية إدراج الجناح السياسى لحركة " حماس" ضمن قائمة المنظمات الإرهابية، حاولت قوات الاحتلال، اغتيال الشيخ أحمد ياسين، مؤسس " حماس" ، واسماعيل هنية، أحد أبرز قادة الحركة، بإسقاط قنبلة تزيد على 250 كيلو جراماً من المتفجرات الحارفة على شقة سكنية، لأحد أساتذة الجامعة الاسلامية فى مدينة غزة، خلال تواجد الشيخ مع بعض أعضاء الحركة فى زيارة اجتماعية للمنزل0 إلا أن الجريمة باءت بالفشل، وأصيب خلالها خمسة عشر من المواطنين المتواجدين فى المنطقة، أثناء الجريمة(28)0

 فى محاولة اغتيال فاشلة أخرى، قصفت قوات الإحتلال منزل محمود الزهار بصاروخ، بواسطة طائرة أف 16، فاستشهد على أثرها مرافقة وابنه، كما أصيبت زوجته، وابنته، بجراح خطيرة(29)0


المحصلة

• استهدفت عمليات الاغتيال القادة الناشطين، وأيضاً المدنيين، وكأن ليس لدى إسرائيل معلومات استخبارية لمعرفة ما إذا كان هناك مدنيون عزل، وهى التى تملك طائرات استطلاع، تستطيع تحديد ذلك، بسهولة، فضلا عن امتلاك اسرائيل قمر التجسس، ينقل، بصورة واضحة، جميع الأزقة، وما فيها0

• يتباهى "رجل السلام" شارون، هو ومؤسسته الأمنية، بكل عملية إجرامية، ويهنىء منفذيها0 وتذكر صحيفة " يديعوت أحرونوت" الإسرائيلية، بأن المؤسسات الأمنية فى اسرائيل تتباهى بما قامت به، من قتل وتصفية لعدد لا بأس به من القادة الفلسطينيين، النشطاء، الذين كانوا يشكلون خطراً على الأمن0(26) الى ذلك تزعم قيادة الاحتلال الصهيونى بأن كل ما تتخذه قوات الاحتلال فى الأراضى المحتلة من اجراءات، تمس حياة المدنيين وممتلكاتهم، يأتى فى إطار " الضرورات الحربية"، التى يبيحها القانون الدولى الإنسانى(30)!.

• استباحت المحكمة العليا الصهيونية، بإصرار متعنت، الدم الفلسطينى، حينما ردت التماساً، قدمته " جمعية القانون"، وجمعيات حقوقية وانسانية أخرى، طالب بإصدار أمر إحترازى، يمنع القوات الصهيونية من مواصلة اعتماد سياسة الاغتيالات، التى تنفذها تلك القوات، بحق المواطنين الفلسطينيين، خاصة وان عمليات الاغتيالات تخلق ضحايا غير المستهدفين، بنسبة 30-50% (31)0
• ترتب على ذلك أن استراتيجية الاغتيالات تهدف الى تفكيك بنية المنظمات الفلسطينية، وتفتيت النظام السياسى الفلسطينى، وفتح الأبواب أمام توترات فلسطينية داخلية، واضعاف قدرة الفلسطينيين على الصمود0
• يتضح ،أيضا،ً بأن الطريقة التى يسلكها شارون، لتنفيذ مخططة السياسى فى إقامة سلطة فلسطينية مجردة من السيادة، والاستقلال، وتخضع، فى وجودها، وبقائها ،وعملها، الى الاحتلال الإسرائيلى(32)0
• بلغت جرائم الآغتيال، التى اقترفتها قوات الاحتلال الصهيونى للقادة السياسيين ، وناشطى الآنتفاضة، والمدنيين، منذ بدء " انتفاضة الأقصى والاستقلال" ، وحتى 28/9/2004، أى بمرور أربعة أعوام على الانتفاضة، (267) جريمة اغتيال، راح ضحيتها (601) مواطناً فلسطينياً، بينهم (363) من المستهدفين، واستشهد خلالها (238) مواطناً آخرين، تصادف وجودهم فى مكان الجريمة0
• تصاعدت جرائم الاغتيال باطراد، ففى العام الأول من الانتفاضة اقترفت قوات الاحتلال 41 جريمة اغتيال راح ضحيتها عدد (72) شهيداً، بينهم (36) مستهدفاً، أما العام الثانى فشهد ارتفاعاً ملحوظا فى حجم العمليات، وبلغ عدد العمليات 50 جريمة اغتيال، راح ضحيتها (108) شهيداً، بينهم (70) مستهدفاً0 وشهد العام الثالث ارتفاعاً مضاعفاً للعامين الأولين فى حجم العمليات، فبلغ عدد العمليات (80) جريمة اغتيال، راح ضحيتها (194) شهيداً، بينهم (112) مستهدفاً،فيما شهد العام الرابع ارتفاعا آخر، فبلغ عدد العمليات (96) جريمة اغتيال، راح ضحيتها (227)شهيدا،بينهم (91)مستهدفا.


• منذ بداية العام الثالث للانتفاضة أخذ الصراع مع الاحتلال الصهيونى،منحى أكثر خطورة ، حيث اقترن هذا العام ، ببداية مرحلة جديدة فى المنطقة العربية، بتجاهل الولايات المتحدة الأمريكية، الشرعية الدولية بالتعدى على سيادة العراق، واحتلاله، وما تبع ذلك من اسقاط الشرعية الدولية، عن المقاومة الفلسطينية، وتصنيف الانتفاضة بأنها عمل إرهابى، على المستوى الأمريكى، والأوروبى ، والصمت العربى المصاحب لذلك0 تلك التطورات، والتقلبات، جعلت الانتفاضة عملاً محصوراً، ومعزولاً داخل فلسطين، جبراً، وبات ما يقوم به الكيان الصهيونى من جرائم " دفاعاً عن النفس"، ومحاولة وقف " الارهاب" الفلسطينى، والمقاومة ! دون رقيب أو حسيب من المجتمع الدولى0 واستغل الكيان الصهيونى ذلك لإبادة الشعب الفلسطينى0
• رغم أن الاغتيالات كانت نهجاً ثابتاً فى سياسة الاحتلال، فإن الجديد فى العام الثالث للانتفاضة، فإن تلك السياسة أصبحت استراتيجية جديدة، تبلورت فى اغتيال القيادات الفلسطينية، فى جميع التنظيمات، ودون تفريق بين القيادات السياسية أو العسكرية0
• فى الوقت نفسه، كان للحرب ضد العراق دور كبير فى التغطية والتشويش على ما يفعله الاحتلال الأسرائيلى، بقيادة مجرم الحرب شارون، فى الأراضى الفلسطينية، من إقامة الجدار الفاصل، والتوسع فى سياسة الاستيطان(33)0
• استخدمت قوات الاحتلال وسائل وتقنيات متطورة ومتعددة، بداية بإطلاق النار على الأشخاص، وعمليات القتل والتصفية فى المنازل، مروراً بعمليات تصفية، بواسطة القناصين، وصولاً الى اطلاق الصواريخ، بواسطة طائرات الأباتشى، وطائرات الأف 16، على السيارات، والمنازل، والمكاتب، وهناك عمليات الاقتحام، والتصفية، بواسطة الوحدات الخاصة، وتدمير المنازل، والهواتف عن بعد، والسيارات المفخخة، وزرع العبوات الناسفة0
• تم فى 29 حزيران /يونيو 2003، الاتفاق على هدنة بين الفصائل الفلسطينية، والكيان الصهيونى، لكن شهر تموز / يوليو 2003، الذى أعقب سريان الهدنة، شهد انتهاكات عدة، من قبل سلطة الاحتلال، شملت الأراضى الفلسطينية كافة، منها 399 قصف واطلاق نار على لأحياء والمساكن المدنية والمنشآت العامة والخاصة، واستحدث 46 حاجزاً عسكرياً، وشهد 176 انتهاكاً لحرية التنقل، واغلاق للطرق، وفرض للحصار، و  60 مداهمة واقتحام، و47 حالة اعتقال، و 21 عملية تجريف ومصادرة أراضى0
• وصل عدد الجرحى برصاص جيش الاحتلال، لشهر تموز / يوليو 2003، الى 306 جريحاً، فيما بلغ عدد المعتقلين، خلال الشهر نفسه، 332 معتقلاً(34)0
• فى 21 آب/أغسطس 2003، ارتكبت جريمة اغتيال، يندى لها الجبين، حيث قصفت طائرات الأباتشى خمسة صواريخ  على سيارة كان يستقلها الشهيد المهندس/ إسماعيل ابو شنب، عضو المكتب السياسى لحركة حماس، ومرافقوه، هانى ماجد أبو العمرين، ومؤمن بارود، مما أدى الى تفحم جثث الشهداء الثلاثة، وإصابة أكثر من 15 مواطناً بجراح مختلفة، منهم 5 فى حالة خطيرة0 منذ ذلك التاريخ، وحتى 7 سبتمبر / أيلول 2003، سقط عشرون مواطناً، وأصيب عشرات آخرون، جراء جرائم الاغتيال الاسرائيلية، من بينهم خمسة عشر قائداً سياسياً وميدانياً، لفصائل المقاومة(35)0

• قال الوزير الصهيونى ،عوزى لانداو، فى أعقاب اغتيال اسماعيل أبو شنب، إن على تل ابيب أن تواصل سياسة الاغتيال، لأنه " إذا كان بالإمكان الاستبشار بهذه العملية بعودة (اسرائيل) الى محاربة (الارهاب)، فيجب ان تعتبر هذه العملية مجرد ردعية، فلن تكون نجاحاتها كبيرة"0
• من جهة أخرى دعا نائب وزير التجارة والصناعة الصهيونى، عضو البرلمان، ميخائيل راتسون، الدولة الصهيونية الى اغتيال جميع قادة فصائل المقاومة الفلسطينية، العسكريين والسياسيين، بمن فيهم ياسر عرفات(36)0
• أعلنت " حماس" انسحابها من الهدنة، على أثر اغتيال أبو شنب، أكثر أعضاء الجناح السياسى اعتدالاً، حسب المقياس الاسرائيلى، والأمريكى، والدولى، جاء ذلك بعد خمسين يوماً من الخروقات الاسرائيلية المتوالية، والالتزام الفلسطينى التام بالهدنة0(37)
•  أعلنت " حماس" و "الجهاد"، فى بيان مشترك، إسقاط الهدنة، وسرعان ما انضمت اليهما " الشعبية" و "الديمقراطية"(38)0
• جاء العام الرابع "لانتفاضة الأقصى والاستقلال"،بمنحنى جديد ،تجاوزت فيه قوات الاحتلال كل الخطوط الحمراء ضد شعبنا العربى فى فلسطين المحتلة .فاستهدف الاغتيال الشعب بكل طوائفه،وتحولت المواجهة بين شعبنا العربى فى فلسطين والصهاينة إلى حرب مفتوحة(39).
• رغم أن الاغتيالات كانت ولاتزال نهجا ثابتا فى سياسة الاحتلال الصهيونى ،حيث دأب شارون على التأكيد، دائما ،على عمليات الاغتيال تعكس إيمانه وإيمان دولته بأن قوة السلاح تخلق الأجواء الملائمة لفرض مايؤمنون به ،من وهم إقامة الدولة الصهيونية على أرضنا العربية فى فلسطين ،ويساعده على ذلك النظام العربى الواهن ،والصمت الدولى ، فضلا عن المساندة الأمريكية المطلقة لما يقترفه شارون من افعال. فى الوقت نفسه يؤيد رجال الدين اليهودى ذلك ، حيث أصدروا فتوى،طالبوا فيها الحكومة الإسرائيلية بعدم التردد فى المس بالمدنيين الفلسطينيين فى الحرب ضد مايسمونه "الإرهاب". فقد جاء فى بيان رجال الدين اليهود فى المستعمرات ،تحت عنوان "حياتنا أهم"،أنه فى الحروب لامناص من التعرض للمدنيين، من أجل تحقيق النصر ،وهذا مالايحرمه الدين اليهودى ،ولهذا فإن على رئيس الحكومة ووزير الدفاع إصدار أوامرهما بتصعيد العمليات العسكرية ،حتى تحقيق النصر على الفلسطينيين (40).
• لم يمض يوم دون سقوط ضحايا أبرياء ،معظمهم من المدنيين العزل ،وهذه هى سياسة شارون التى يؤكدها تاريخه الدموى ،ألاوهى سياسة القتل ،والمزيد من القتل .حيث يستهدف جيش الاحتلال ،وشرطته ،ومستوطنوه قتل أبناء الشعب العربى فى فلسطين ،باستهداف التجمعات المدنية ،والأسواق ،والمساكن ،فضلا عن تخريب المزارع ،واقتلاع الأشجار ،وسرقة المياة الجوفية(41).

• إنه لون آخر من الحرب ،ذات الأهداف الاستئصالية ،للبشر ،والاقتصاد ،والعمران ،والطبيعة ،لنتأكد دائما ،ونتذكر ،كلما غفونا إنه إستعمار إحلالى إجلائى استيطانى .
• إن "انتفاضة الأقصى والاستقلال "،مجرد حلقة من سلسلة الكفاح الوطنى المديد للشعب الفلسطينى ،التى تظهر بجلاء الإعجاز البشرى لهذا الشعب الأعزل ،الذى تحاصره طائرات الأباتشى ،وإف 16،وإف18،والدبابات ،برا، وبحرا، وجوا ،فتهدم البيوت ، وتجرف الأراضى ،وتقتلع الأشجار ،فى إطار استراتيجية إبادة شعب ،أو،على الأقل ، كسر إرادته ،لإخضاعه للكيان الصهيونى (42).

• رغم ذلك كان لانتفاضة الأقصى والاستقلال أثرها البالغ على الكيان الصهيونى ، حيث عانى الاقتصاد الصهيونى انهيارات متتالية وكبيرة ،خاصة فى مجال السياحة والإنشاءات ،فوصل حجم الخسائر إلى قرابة ال25 مليار دولار ،خلال الأعوام الأربعة الأولى من عمر الانتفاضة ،كما بلغت البطالة ،عام 2001،وحده ،7ر8%،قفزت ،عام 2002ـ2004،إلى 7ر10%،لتصل إلى11% فى فبراير /شباط 2004،فضلا عن تقليص الميزانية لمعظم الوزرات للعام، 2005،بناء على الخسائر الفادحة ،بنسبة من 4%إلى5%(43).

• يلخص "الشباك"سنوات الانتفاضة الأربع بالأرقام ،فيحصر عدد قتلاه ب1017 قتيلا،و5598جريحا صهيونيا، وكان عام 2002هو الأعنف ،فقد قتل فيه 452 صهيونيا ،وجرح  2309وقد نفذت 138عملية استشهادية ،فى عام 2001،و 35 عملية، فى 2002،و26عملية، فى عام 2003،و14عملية فى 2004،استشهد فيها ثمانى استشهاديات ،فضلا عن اعتقال 45 استشهادية ،خططن لتنفيذ عمليات استشهادية .وتم تسجيل 13370حادث إطلاق نار ،و460 صاروخ قسام ،أطلق من قطاع غزة ، باتجاه المستوطنات الصهيونية(44).

• أعلن رئيس جهاز الأمن العام للكيان الصهيونى (الشباك)،آمن ديختر "إن هناك تزايد فى تورط النساء والقاصرين الفلسطينيين فى الأعمال المعادية لإسرائيل ".وزعم  ديختر أنه فى عام 2004،أصبحت النسبة 8ر7%من المتورطين فى هذه الأعمال من الأطفال والنساء،مقابل حوالى 7ر2%،فقط ،عام 2001،أى أن نسبتهم تضاعفت ،ثلاث مرات .وكشف ديختر بأن عدد المتضررين من الهجمات الفلسطينية (قتلى وجرحى)،فى السنوات الأربع الأخيرة منذ عام 2000،فاق عددهم ،قتلى وجرحى إسرائيل منذ قيامها ،وحتى عام 2000.(45).

 كما أصيب جنود وضباط عديدون بأمراض نفسية، من جراء أحداث الانتفاضة ،مع فقدان الشعور بالأمن ،الذى أدى ،أيضا ،إلى تنامى الهجرة اليهودية العكسية من الكيان الصهيونى إلى خارجة ،حتى وصلت إلى نصف مليون صهيونى(46).

وبعد ، فهل يمكن للفلسطينيين إقناع الشارع الاسرائيلى بأن سياسة الاغتيالات لا تأتى بالأمن للإسرائيليين ؟! وهل ستبقى هذه العمليات مرهونة بمدى رد الفعل الفلسطينى عليها ؟وهل ستنجح سياسة الاغتيالات ؟
 

• قال أحد الجنود الاسرائيليين، رافضي الخدمة فى الأراضى الفلسطينية المحتلة، احتجاجا على السياسة الشارونية الهستيرية، واصفاإياها بأنها أيام مظلمة، بل هى الأكثر ظلمة، منذ حرب لبنان (1982)، التى لم يتعلموا منها شيئاً، فالدم لا يجلب الإ مزيداً من الدم والقتل، وان المجازر، والدبابات، والقناصة، لن يكسروا روح اللاجئين البؤساء0 إنها أيام يغمرها الكذب والرياء، وفوق هذه الأكاذيب تأتى الخديعة الكبرى المسماة " السور الواقى" ، فهى لم تجلب لا السور، ولا الوقاية0 كذلك علينا ألا نصدق مراسلى القنوات التلفزيونية، فإن المراسلين خائفون من الحقيقة، ويعرفون مدى قباحة ما يرتكب بإسمنا0 إنها لأيام خطيرة، (جيش الدفاع الاسرائيلى) يقوده الجنرال الذى لا يمكن له أن يفرق بين الهجمات الإرهابية وتهديدات الوجود، أو بين المدنيين والإرهابيين0
 لقد تخلت المؤسسة الاسرائيلية عن مسئوليتها الأخلاقية، والشرعية لحماية كرامة الانسان، وإن لم نقم بحمايتها نحن، فلن يقوم أحد آخر بذلك(47).

 يقول الجنرال المتقاعد ،وكبير المحاضرين فى كلية الأركان ،شيمون نانية،إن عمليات الاغتيال الأخيرة لقادة حماس"ستؤدى إلى مزيد من الفوضى ،لأنها تفتقر إلى رؤية سياسية ،تحدد نتائج إيجابية ،كمبرر لتنفيذها ". يضيف إن كل مايقوم به الجيش الإسرائيلى اليوم هو "هدر الوقت ،بدلا من ربحه؛لأن الحكومة لاتملك برنامجا سياسيا فى المفاوضات مع الفلسطينيين ،لترجمة هذه العمليات إلى مكاسب سياسية واضحة" (48).

 فيما نصح الكاتب الصهيونى ،يترباعام ،الحكومة الصهيونية بالتوقف عن قتل الفلسطينيين ،إلى "أنه لايمكن ،مهما قتلنا ،وحبسنا ،وعذبنا،من الفلسطينيين ،سيكون هناك ،دوما ،ثائرون آخرون ،استشهاديون ،سيعذبوننا،ويقتلوننا،أيضا". فى الوقت نفسه ،شرح الصحفى الصهيونى ،عمير رايبيورت حالة بعض قادة جيش الاحتلال ،فقال "إنه عندما يتم التقييم داخل المؤسسة العسكرية ،فإن هناك حالة من اليأس ،تعلو بعض قادة الجيش ،بسبب القدرة لدى حركات المقاومة على تنظيم صفوفها "،بعد تعرضها لضربات جيش الاحتلال ، ونجاحها فى مفاجأة الجيش بعمليات عسكرية نوعية ،كان الجيش يفترض أنه لم يعد بوسعها تنفيذها بهذه السرعة (49).

فى تشبيه غريب ،عبر عن عجز سلطة الاحتلال الصهيونى رئيس وزرائها الأسبق، إيهود باراك ،حيث قال :"أن تضرب الفلسطينيين ،فهذا مثل أن تضرب الوسادة بلكمة ،مثلما تعود الوسادة لانتفاخها العادى ،بعد عدة ثوان من ضربها ،بكامل القوة ،هكذا الفلسطينيون ،أيضا،بعد أن تضربهم مرة واحدة ،وربما مرة أخرى ،وحتى مرة ثالثة .وبعد فترة قصيرة من الصدمة ،تعود الحجارة الفلسطينية إلى الشوارع والطرقات ،وهكذا دواليك"(50).


 كأن غاندى كان يقصدالإسرائيليون بالذات، الذين سكنتهم الهزيمة بين ظهرانينا، حين أكد بأنه لا يلتفت الى ما يسمى " ميزان القوى"0 كما وصف هذا الزعيم الهندى البارز بالغباء كل من يستخدم أقصى ما لديه من قوة فى مواجهة عدوه، بنفس القدر الذى اتهم به غاندى كل من يستسلم لضعفه من الشعوب الصغيرة0

 
الهوامش أكمل قراءة الموضوع »

VN:F 1.9.16_1159
Rating: 4.5/10 (2 votes cast)
Share on FacebookTweet about this on TwitterShare on Google+Share on Tumblr
أضف تعليقك
VN:F 1.9.16_1159
Rating: 5.5/10 (2 votes cast)

القدس من اهم المدن المقدسة ، حيث تتمتع بمكانة عظيمة لدى العرب ،مسيحيين ومسلمين ، منذ عشرات القرون ،فهى مهد المسيح (عليه السلام) أولى القبلتين ، وثالث الحرمين الشرفين ، كما أن مدينة القدس قد شهدت عددا ،من الوقائع والمعارك المهمة التى تركت بصماتها على مجرى التاريخ ، مما ذاد من أهمية مدينة القدس ، بشكل عام ، وأهمية أوقاف القدس بشكل خاص . ويؤكد على ذلك مفتى القدس ، سماحة الشيخ عكرمة صبرى ، قائلا :"البلدة القديمة فى مدينة القدس ، وأكنافها المعروفه إنما هى كلها وقفيات بمقدستها وبجميع مبانيها وعقارتها "(1)

ماذا يعني وقف المكان
 معنى الوقف :لغة الوقف مصدر للفعل وقف بمعنى حبس .
 شرعا : الوقف هو حبس العين ،المملوكة ،ملكا تاما ، عقارا أومنقولا ، والتصدق بمنفعته على ذي القربى ،اوغيرهم .
 الوقف فى الاسلام نوع من البر والإحسان ،وكانت عمليات الوقف شائعة ،في عهد الرسول (ص)،واالخلفاء الراشدين ،واستمرت على امتداد مختلف العصور الاسلامية .(2)
انواع الوقف: هناك نوعان من الوقف ،الوقف الخيرى :وهو ماخصص ريعه ،ابتداء ،لصرفة على جهة من جهات البر ، كالوقف على المساجد ،والمدارس ،والمستشفيات ، والملاجئ ……الخ .
الوقف الذرى : وهو ماخصص يعة للواقف نفسه ،أولغيره من الأشخاص ،الذين يحددهم ، سواء أسما ،أووصفا .
أركان الوقف : الواقف ،الوقف ،الموقوف عليه.
شروط الوقف: لا يجوز بيع الوقف عقارأ ، أو منقولا ، إلا بمصوغ شرعى .وعلى المتولي الشرعي للوقف المحافظة على اعيان الوقف ،ومنع التعدي عليه ،والعمل على رفع الاعتداء ،عند حدوثه ،فضلا عن العمل على إصلاح الوقف ،وترميمه ، وغير ذلك من الواجبات ،التى تكفل استمرار الوقف ، وتأدية لوظيفته .(3)
 يجب أن تكون هناك لإدارة للوقف ، تقوم على خدمته، ورعايته، تتكون من ناظر للوقف ، ومتولى الوقف ، ثم الجابي.
الاوقاف الإسلاميه (العهدة العمرية )
 اتسم العصر الإسلامي ،منذ بداية القرن السابع الميلادي ،الآول الهجرى ، بالفتوحات الإسلاميه للبلاد المجاورة ، وكان للقدس نصيب من ذلك ، فدخلت القدس ،وماحولها من مدن ، مرحلة جديده ، ومهمة من تاريخها .في عهد الخلافة الاسلامية ، بعد معركة الريموك ، عام 13 هجرية ، 633 ميلادية ،فى عهد الخليفة الثانى ،عمر بن الخطاب (رضى الله عنه) ، وبقيت فلسطين ، والقدس ، تحت ظل الخلافة الإسلامية ، حتى اخر عام 1917م،مع اختلاف لمركز ،الخلافة ، فتارة يكون الخليفة امويا ،وتارة ثانية عباسيا ن وثالثة عثمانيا .(4)
 ظلت القدس هدفا مهما للدولة الإسلامية ،منذ بداية الخلافة الإسسلامية ، فأرسل أبو بكر الصديق (رضى)جيشا ن بقيادة أسامة بن زيد، لفتح بلاد الشام ، محملا بنصائح مهمة "لاتخونوا، ولا تغدرا،ولاتغلوا ،ولا تمثلوا ،ولا تقتلوا طفلا ، ولا شيخا كبيرا ، ولا أمرأة ، ولا تعقروا نخلا ،ولا تحرقوه ، ولا تقطعوا شجرة مثمرة ، ولا تذبحوا شاه ، ولابقرة ولا بعيرا ،إلا لمأكلة . وسوف تمرون بأقوام فرغوا انفسهم في الصوامع ، فدعهوهم ومافرغوا أنفسهم له ".وقد تم تجهيزه أربعة جيوش ، لفتح بلاد الشام ، كان أحدهم بقيادة عمرو بن العاص ، خصص لفتح فلسطين ونجح بن العاص في فتح معظم أرض فلسطين . وحين تولى عمر بن الخطاب الخلافة ، بعد وفاة الصديق ، عام 13 ه ، أكمل ابن الخطاب مسيرة الفتح ، بإرسال جيش ، بقيادة أبى عبيدة بن الجراح ، مع سبعه من خيرة القادة للزحف الى القدس ، وفتحها . ودارت معركة ، استمرت عشرة أيام ، بين الجيش الإسلامى وجيش الروم . انتصر فيها الجيش الإسلامى . ودام الحصار للروم أربعة أشهر ، استسلموا بعدها ، بشرط تسليم المدينة للخليفة نفسه ، ووافقهم أبو عبيدة ، واستمرت الهدنة ، حتى جاء عمر بن الخطاب (ر) واستقر فى جبل الزيتون ، ثم رحل الى القدس ، عام 638م، وتسلم مفاتيحها من البطريرك صفرينوس  ثم زار كنيسة القيامة ، ولقد طلب البطريرك صفرينوس من عمر بن الخطاب (ر) ، عندما حان وقت الصلاة ،أن يصلى الخليفة في الكنيسة ، فاعتذر عمر ، حفاظا على المقدسات المسيحية ، كي لاتكون صلاة سنه لمن يجئي بعده، واختار مكانا آخر ، ليصلى يه .(5)
 معروف بأن عمر بن الخطاب (ر) أعطى البطريرك صفرينوس "العهدة العمرية "التى جاء فيها :"هذا امانا لنفسهم ،وأمواله م ، وكنائسهم ، وصلبائهم ، أنه لاتسكن كنائسهم ، ولا تهدم، ولا ينتقص منها .. ولا من شيئ من أموالهم ، ولايكرهون على دينهم ، ولا يضار أحد منهم . ولايسكن إيلياء أحد من اليهود ".(6)
 كما تضمنت "العهدة " ،أيضا، أن على أهل إليلياء ان يخرجوا من المدينة الروم ، واللصوص ، " فمن خرج منهم ، فهو آمن على نفسه ، وماله ، حتى يبلغوا مأمنهم " ،ومن كان فيها من أهل الأرض (وتعنى بأهل الأرض الفلاحين أصحاب الارض الاصليين )، فمن شاء نهم قعد، وعليه ماعلى أهل إليلياء من الجزية ، ومن شاء سار مع الروم ، ومن رجع الى اهله ، فإنه لايؤخذ منهم شيئ من الجزية ، حتى يحصدو أحصادهم ".
 لقد فرقت "العهدة" بين طائفتين : الروم ، وهم حكام غرباء ، عليهم أن يخرجوا من البلاد ، وبين أهل البلاد الأصليين ، النصارى ، الذين لهم حق البقاء فى بلادهم ، يتمتعون بالحرية الدينية ، ضامنين سلامة أموالهم ، وأرواحهم ، ودور عبادتهم . وتعد هذه "العهدة " بمثابة نواة للاستقلال الطائفى الذى ينم على سماحة الإسلام مع "أهل الكتاب".(7)
 توجه عمر (ر)، بعد ذلك ، الى المكان الذى تقع فيه الصخرة المشرفة ، التى انطلق منها معراج الرسول (ص) ، وكان قد تجمعت عليه القاذورات ، فأخذ عمر ينظفها بنفسه هو ومن معه من الصحابة ، ثم أمر ببناء أول مسجد في الإسلام فى مدينة القدس .
 مكث عمر (ر)، عدة ايام ، في بيت المقدس ، لبحث شؤونها ن ثم غادر إلى المدينة المنورة ، بعد ان خطب في الناس ، عين يزيد بن سفيان عاملا على إدارة مدينة القدس ، تحت إمارة ابى عبيدة ، وعين سلامة بن قيصر إماما للصلاة ، وعلقمة بن مجزر مشرفا على شؤونها العسكرية .(8)
 ظلت فلسطين تحت الحكم الإسلامى حتى آلت الخلافة إلى معاوية بن أبى سوفيان بعد معركة صفين ، على النحو المعروف ،وذهب إلى بيت لمقدس ، ليعلن خلافتة من هناك (عام 40 ه – 661 م) وكان م اهم ماقام به الأمويون بناء الحرم القدسى الشريف ، الذى يتألف من المسجد الأقصى ، ومسجد الضخرة ، ومابينهما ، وحولهما من منشأت ، على مساحة 140900 مترا مربعا . وقد بناها عبدالملك بن مروان ، عام 66ه – 685م، وأوقف على نفقاتها خراج مصر لسبع سنوات متصلة . وقد اكتمل بنائه ، في عام 70ه-691 م .
 لقد أزدهرت القدس ، في عهد الخليفة عبدالملك بن مروان ، وعهد ابنه ، الوليد بن عبدالملك .(9)
 استمر إعمار الحرم القدسى ، خلال مراحل التاريخ الإسلامى ، سواء أيام العباسيين ، أو الفاطيميين ، أو المماليك . وجاء الإعمار على شكل أعمال بناء ، وتوسيع لمساجد الحرم ، أو ترميمها ، واحيانا وقف مبان ، وسبل لزائري القدس ، للصلاة ، والزيارة .(10)
 يشتمل الحرم المقدسى على أربع حوائط ؛شمالى وجنوبى ،وشرقى ،وجنوبى ،وغربى  ،والصخرة المشرفة ، وقبة الصخرة ، المسجد ( الجامع ) الأقصى المسجد ،قباب المسجد الأقصى ، مآذن المسجد الأقصى .فضلا عن أروقة المسجد الأقصى .
وسبل الحرم ،وهى سبيل قايتباى ، وسبيل شعلان ، سبيل بابا الحبس ، وسبيل البديرى ، وسبيل قاسم باشا ، وسبيل السلطان السليمان.(11)
 شملت العقارات المقدسية الموقوفة على الحرم ، الآتى : دار الأيتام الإسلامية ، تكية خاصكى سلطان ؛ كلية روضة المعارف ؛المدرسه البكرية ؛حمام الشفا؛ دكاكين على مقربه منه ،في سوق القطائين ؛دار حبس الرباط ؛ دار حبس الدم .
 المصلى المرواني : يقع في الجهة الجنوبية الشرقية من المسجد الأقصى المبارك ، وكان يطلق عليه ، قديما ، التسوية الشرقية من المسجد الأقصى . يتكون من (16) رواقا ، تبلغ مساحتها (2775) مترا مربعا ، أى مايقارب (4) دونمات ، استعمل فرض الرسول (ص) مصلى للأنبياء جميعا ،ضمن المسجد الأقصى المبارك .وللتسوية مداخل عديدة ، منها مدخلان من الجهة الجنوبية ، وخمسة مداخل من الجهة الشمالية ، استخدمه معاوية ،كمصلى ومكان للتدريس ، وخصص فى ،زمن عبدالملك بن مروان ، كمدرسة فقهية متكاملة ، ومن هنا أطلق عليه اسم المصلى المرواني.(12)
 ظلت القدس ،طوال فترةالحكم الاسلامي ، مزدهرة ، ومنارة علمية ، ودينية  فى آن ،حتى حملة الفرنجة الأولى (عام 1099م-492ه) وفيها تمكن الفرنجة من احتلال المدينة المدسة ،بعد قتال امتد اسبوعين ،قتل خلاله الفرنجة ،داخل المسجد الأقصى ، مايزيد عن السبعين ألفا ،كتير منهم من أئمة المسلمين ، وعلمائهم ، وعبادهم ، حيث قام الفرنجة بمحاصرة المسلمين ، فى الحرم الشريف واعطوهم مهله ثلاثة أيام ، للخروج من المدينة ، ومن يتأخر سيقتلوة ، وأما من كان في المدينة من اليهود ، فقد جمعهم الفرنجة في الكنيسة ، وأحرقوها عليهم . وأبقوا على العرب والنصارى ن لكن بدون سيادة دينية ،حيث ألفوا البطريركية الأرثوذكسية ، واقاموا ، بدلا منها أخرى لاتينية .(13)
 استمر احتلال الفرنجة ،لمدة 192 عاما . انتهت ن حين حررها صلاح الدين الأيوبى ،بعد انتصاره فى موقعة حطين ، ودخل مدينة القدس فى ذكرى الإسراء والمعراج، يوم 27 رجب 583ه ، 20 تشرين الأول /أكتوبر 1187م . وقد كان صلاح الدين نموذجا للفاتح المسلم ن على غرار عمر بن الخطاب ، حيث أعطى الأمان للمعتدين من الفرنجة ، على أنفسهم ، واموالهم ، حتى بلغوا الساحل . ثم قام صلاح الدين بتعمير بيت المقدس من جديد ، وأمر بعودة كل أبناء القدس اليها .(14)
وقفية صلاح الدين الأيوبى
 تعد من اهم إنجازات صلاح الدين الأيوبى ، هو وقفيتة التى عرفت ،فيما بعد، بأسمه ، وقد تمت صياغة هذه الوقفية ن فى 17 رمضان سنة 590 هجرية ، وبأمر من صلاح الدين الأيوبى ، وبحضور قاضى القضاة ، آنذاك .(15)
نصت "وقفية صلاح الدين " على الملاك الفسطنية الآتية :
"جميع الدار المعروفة بدار البطرك في القدس ،ومايليها ، بما في ذلك الربع المجاور ، وهو طاحونه ،تعرف بعصفور ، وفرن،ودير، يعرف بالحديد ، وقبو كبير باصطبل البطرك ، ودار شمالي الاصطبل ،وتشمل على أقباء تحتائية بالحمام المعروفة بالبطرك ، والقبو ، والحوانيت المجاورة ،البركة المعروفة بالبطرك ، والربع الملاصق لها ، البركة المعروفة بماملابظاهر القدس ،والقناة التي يجري فيها الماء في هذه البركة الجوانية ، المعروفة بالبطرك ، أرض الحمورة العليا ، الجورة السفلى ، المعروفة بالاسبتارءالبقعة ، قطعة أرض ، تعرف باسم حرج اشبكم ، وقطة أرض ،تعرف باسم راس الحنوص .وتضمنت وقفية صلاح الدين "تحذيرا من ألايدخل على هذه الممتلكات ا] وجه من وجوة التمليكات ، أو يزيلها عن تحبسها سبب من أسباب الانتقالات ، ولايقدح فيها ، تقادم الأعوام والدهور ، محفوظة على شروطها ،لاتغيير ، ولاتبديل، ولايلحقها نسخ ،ولا تحويل ، أبدا ،مادامت السموات والارض ، الى أن يرث الله الأرض وماعليها ".(16)
 كما حددت الوقفية دار البطريرك "سكنا للزائرين ، الآتيين إليها من سائر دول العالم ، "ولايسكن في هذه الدار ، الابمقدار حاجته .وليس لأحد اخراجه منها ".(17)
 الجدير بالذكر ان وقفية صلاح الدين الأيوبى تعد أساسا لجميع الوقاف الاسلامية ،التى تلت في القدس وفلسطين .وتوجد هذه الوقفية بالمحكمة الشرعية بالقدس .(18)
 نهج المماليك طريق الايوبيين ، في سماحتهم مع "أهل الكتاب"، نصارى ويهود ، وعاش اليهود ،في العصر المملوكى ، في حارة لهم ،في بيت المقدس ،شانهم في المدن العربية الأخرى . إلى أن وصل الحكم العثمانى ثمة اوقاف مقدسية عدة  من بعض الأفراد ، أوأوقاف شخصية ، لأقاربهم ،وذويهم منها وقف أفضل الدين محمد بن عمران الحنفي الغزى ، قاضى القدس ،وزوج شقيقية قاضى القضاة ن مجبر الدين عبدالرحم العلمي ، والعين الموقوفة ، هي دار سكن وجهات الوقف على ابن الواقف ، ثم زوجته ، ثم على ذرية الموقوف عليه ،ثم فقراء المسلمين .ويعد هذا الوقف من نوع ذري ،ويقع هذا الوقف في حارة بابا الحديد ، الملاصق بالمسجد القصى المبارك ،من جهة الغرب ، شمالى باب الحديد .وقد كان هذا الوقف ، عام 693 هـ 1293م.(19)
 في 696 هـ 1296م، وقف الأمير علم الدين عبدالله الدويدار مدرسة الدويدارية ن وقرى ، وعقارات اخرى ، والجهة الموقوف لها المدرسة (الخانقاه) الدويدارية شمالى المسجد الأقصى المبارك .ونوع الوقف خيرى ،وجاء في حجة الوقف انه أوقفها ابتغاء وجه الله تعالى ، على ثلاثين نفرا ، طوال العام ، ولضيافة من يرد إليها من الصوفية ، ولمتصوفة ، مدة عشرة ايام .،"ووقف عليه قرية بيرنبالا من القدس الشريف ن وقية مجلا  فى اريحا ، وفرن ،وطاحون ،وعلوهما بالقدس ،ودار ومصبنة ،وست حوانيت ، ووراقة بنابلس ، وثلاث بساتين ، وثلاث حوانيت ، وأربع طواحين ببيسان ،ووقف ذلك هذه الخانقاه ، وعلى تدريس مذهب الشافعى ، وعلى يسمع الحديث البنوى ،وقارئ يقرأ عليه ، وعلى عشر نفر يسمعون الحديث ونفر يتلون كتاب الله كل يوم ختمه وعلى مادح ينشد مدح النبى ذلك بالجامع الأقصى ".(20)
 فى عام 8360 هـ 1432م ،أوقف نائب السلطنة ن بابلسيتن ،وقيسارية ،الأخير محمد ناصر الدين محمد باش بن غرس الدين خليل بن دلغادر الملكي الأشرافي ، والموقوف المدرسة الغادرية ، الكائنة شمالى المسجد الأقصى المبارك ، وخان الغادرية ، وحوانيت .ونوع الوقف خيري .(21)
 في الأول من شهر رجب 838هـ /1434م،أوقف ناظر الحرمين الشريفين ،ونائب السلطنة مدرسة الحسنية الكائنة في حارة باب الناظر ، وقرى ، وأراضي متنوعة ، والجهة الموقوف إليها نوع الوقف خيرى يصرف منه على من يعلم كتاب الله تعالى ،والفقراء القانطون فى الخلاء ، والأيتام ، والمتصوفين، ومن الأماكن الموقفه في هذه الوقفية "قرية دبوان ،تابع قدس قريه أم طوبى (2)،تابع قدس ،قريه عنب (3) ، تابع قدس تماما ،قرية طيبة الاسم نصارى (4) ، تابع قدس ، مزرعة مالحة الكبرى (5) تابع قدس تماما ، قرية عصيرة الشمالية (6) تابع جبل شام درنابلوس ".(22)
الأوقاف فى العصر العثمانى :
 ضمت الدولة العثمانية بلاد الشام إليها  فى عام 1516 م بعد انتصار السلطان سليم على السلطان المملوكى قنصوه الغوري، في معركة مرج دابق ، قرب حلب .
 وأصبحت القدس جزئا من ولاية دمشق ،ذهب إليها السلطان سليم ،فاستقبله علماء ، ووجهاء القدس ، وعندما تولى ابنه السلطان سليمان ، عام 1520هـ 1560م، اهتم بالقدس ، فرمم قبة الصخرة ، وأعاد تبليط المسجد ، كما رسم جدران الحرم الشريف ، وابوابه، وانشا عددا من السبل ، وأصبح يعرف بخاد الحرمين في القدس والخليل . كما قامت زوجته بزيارة القدس ، وأوقفت أوقافا عليها .(23)
 اضاف العثمانيون إلى الوقاف الكثيرة ، التى وجدوها بفلسطين ، أوقافا جديدة ، كما أنشأوا منشآت خيرية ،ارتبطت بالأوقاف ،لضمان استمرار الأوقاف ، وكانت الأوقاف الخاصة بالحرمين أكثرها انتشارا فى مناطق كثيرة في فلسطين ،وبشكل خاص في القدس ، واللد ، والرملة ، ونابلس .(24)
 جدير بالذكر أن هناك بعض الأقطار العربية أوقف اهلها كثير من أملاكهملحساب أوقاف القدس ،منها عائلات كثيرة يقمون فى مصر ، كذا فقد حظيت الأوقاف ،فى العهد العثماني ، بعناية كبيرة من الدولة العثمانية . مما ذاد من حجم الوقفيات ، وتعدد أوجه الاستفادة منها ، والإنفاق عليها . فمثلا عدد الأوقاف في استانبول ، في الفترة من 1453ـ 1553، بلغ 2515 وقفية ،علاوة على أوقاف السلاطين ، والأمراء ، المقامة في هذه الحقبة مما أدى الى تباين وجهات النظر بين ن الفقهاء حول الوضع القانوني للآوقاف الخاصة مما أدى  بالتالى الى تباين فى إدارة الدولة العثمانية للأوقاف ، من منطقة الى آخرى ، ومن وقف لآخر ، متأرجح بين الصعود والهبوط ، متأثر بأوقات ضعف الدولة العثمانية وقوتها .(25)
أهم الأوقاف الشخصية أثناء الحكم العثمانى
 فى النصف الثاني من القرن العاشر الهجرى ن استقرت عشرات من العائلات الدشقية فى القدس ، نتيجة الثورة العمرانية ، التى قام بها السلطان سليمان القانوني ،آنذاك ،مما أدى الى تضاعف عدد أهالي القدس ثلاث مرات ،في غضون سنوات قليلة .(26)
 لقد تم تسجيل آلف الوقفيات في سجلات المحاكم العثمانية ،في بلاد الشام ،ومن أهمها "وقف الدمشقي "، الذى أكدت كثير من الحجج بأن وقف الدمشقى كان ،فى الأصل ،وقفين منفصلين ،لشخصين من أصل دمشقي ،مقيمان في القدس ،في أواخر القرن العاشر الهجري ،حيث وقف كل منهم وقف مستقلا ، ولكن في عقارات مشتركة بينهما ،ثم دمج الوقفين ،فيما بعد ،بسبب التزاوج بين الورثة .سجل الوقف الدمشقى باسم شهاب الدين أحمد بن الخواجة شمس الدمشقي الشهير بأبن الدمشقي  ، ومحمد الناصر كمال ادين ،الشهير ، أيضا ، بابن الدمشقي ومكان وقفهما بالقدس الشريف ،وخارجها.وذلك ،في عام 1266هـ/1849م،ويشمل الوقف على قطعة أرض فى سلوان "جارية فى وقف المدرسة الناصرية الصلاحية بظاهر القدس الشريف …يحدها من القبلة أرض بيد محمد الدمشقي ".،"ودار تقع بحارة اليهود ، تحت تصرف وارث المرحوم شمس الدين الدمشقي "،ووضحت الحجج بأن العقارات الموقوفة يوزع ريعها على المستحقين ، كما تصف هذه العقارات بأنها "ثلاث دور ،ودكانين ، تقع في محلة اليهود ،وقطعة أرض صغيرة وحصة كبيرة من وادي حلوة فى سلوان ".وتناولت الحجج تعميير وترميم الوقف ،طيلة العهد العثمانى ،وكان قاضي القدس الشريف ،يعين على كل وقف شخص يتابع إجرات التعمير ،والتأجير ،وتوزيع الريع على المستحقين ،فضلا عن تعيين ناظر ، يتولى مراجعة تلك الإجراءات مع المتولي .(27)
 بالاضافة إلي وقف الدمشقي ،هناك أوقاف عدة لدمشقين عاشوا فى القدس ،منها وقف عبدالقادر الدمشقي ،فضلا عن وقفيات عددية ، كانت عقاراتها في دمشق ،ولها مستحقون في اقدس ، منها ـعلى سبيل المثال ـ وقف محمد شمس الدين النصاب الدمشقي ،الكائن في مدينة دمشق ، وعرف وقف النصاب بوقف الحصنى ، بعد أن تولى الاشراف عليه آل الحصني .(28)
الأوقاف فى العصر الحديث
 شهدت الأماكن المقدسة في فلسطين ،مع بداية العصر الحديث ،والذى يبدأ بتولية محمد علي ، الحكم فى مصر (1805م)،تحولات عدة ، حيث اسس محمد علي ، عبر ممثليه في أرض الشام ، لتنظيم الحصول على ريع أوقاف القدس ، وأصبحت القدس تابعة لمصر ، فباتت تحصل مال وقف الحرمين ،والسادات ، لصالح مصر كما كانت هناك مواقف يهودية مشينة ،خاصه أولئك اليهود الآتين من الغرب ، حيث لم يتوقفوا عن محاولة البحث عن استغلال الأوقاف الإسلامية ،أوشراء مساحات من الأرضي،لتحوليها إلى ملكية يهودية ، على حساب الأوقاف الإسلامية ،فضلا عن تغيير معالم الأوقاف ، التي استولوا عليها ،أقاموا عليها شعائرهم ،وخاصة في منطقة المغاربة ،في الحرم الشريف،ففي ثلاثينيات القرن التاسع عشر، تزالت الكتابات إلى محمد علي من شيخ المغاربة في القدس الشريف ، بخصوص تبليط اليهود زقاق البراق ، الكائن بحارة المغاربة ، بقرب دور ووقف سيدي أبي مدين الغوث ، قدس سرة ، الملاصق لسور الحرم الشريف ، وذلك بدون وجه حق .(29)
 كما سعى اليهود ، أيضا ، إلى بناء المعابد وترميم القديم منها ، والتمكين من الأوقاف الإسلامية بالعمل المستمر ، لترخيص الملاك ، فكانوا يستولون على كل مايريدون ، ويقولون "نحن فرنج ".حاول بعض المسلمين مواجهة الأفعال اليهودية العديدة ،المستميتة للسيطرة على الأراضي والأوقاف فى القدس ، تحت حمايه بريطانية لهم ، حيث أنشئ في مصر نظارة للوقف ن وتم تعيين مدير عام مسئول عن الأوقاف في مصر ، ومالبث بعد ذلك أن تم دمج بنى الوقف فى إدارة ونظام جديد ، وأنشئ مجلس إسلامى أعلى، ليتولى املاك المسلمين ، وخاصة أوقافهم . ورغم ذلك فقد ظل اليهود دون نفوذهم على المناطق الإسلامية ، وخاصة مناطق الوقف منها ، ليثبتوا وجودهم ، بعنف ، امام "حائط البراق " ،مما أدى الى تذايد اعمال العنف والقتل في المنطقة ، بجوار الحائط الغربى من الحرم الشريف .(30)
 لقد أدت الاعتداءات المتكررة من اليهود على القدس ،ومحاولة بعض العرب والمسلمين الدفاع عن القدس ، قانونيا ، أمام اللجنة الدولية التى بعثت بها " عصبة الامم " ، في عام 1930 ،لبحث مسألة حقوق العرب "حائط البراق "، استمعت اللجنة الدولية ،المشكلة من سويسرا ، وهولندا ، والسويد ، والمسماة "لجنة البراق "، الى الطرفين ، العرب واليهودى ، وبعض موظفى حكومة الانتداب البريطانى . وبعد اطلاع اللجنة على كافة البيانات، توصلت الى أن ملكية " حائط البراق"،وحق التصرف فيه ، ومايحيطه تعود للمسامين ، ولايحق لليهود سوىالمطالبة بزيارة الحائط فحسب .كما أكدت اللجنة على أن الساحة المجاورة للحائط هي ملك إسلامى ، وتعتبر وقفا للمسلمين ، من قبل صلاح الدين ،منذ عام عام 1193م ، وأن حي المغاربة ، ومبانيه ، التي هدمتها جرفات الاحتلال ، قد أنشئت ، فى عام 1320م،لخدمة الحجيج المغاربة ،وأصبحت أملاك وقف ،بعد أن أوقفها أبومدين لهذا الغرض .(31)
 يتضح من ذلك خطورة المشروع الصهيوني ،في القدس الذي بدأ ، من وقت مبكر ،ولايزال مستمرا ، رغم كل قرارات "عصبة الامم" و"الامم المتحدة "،من يعدها ،وعلى مسمع ومراى من العالم بأسرة …..يتبع

بقلم:آمال الخزامى

VN:F 1.9.16_1159
Rating: 5.5/10 (2 votes cast)
Share on FacebookTweet about this on TwitterShare on Google+Share on Tumblr
أضف تعليقك
VN:F 1.9.16_1159
Rating: 6.5/10 (2 votes cast)

الوجود والأوقاف المسحيين فى القدس
 تعد كنيسة القيامة من أقدم الماكن المقدسة المسيحية في القدس ، وكذا كنيسة القديسة مريم ، التي تم تشييدها ، بعد زيارة القديسة مريم المصرية ، إلى القدس عام 382 م . استمر الوجود المسيحيى ي القدس ، بعد الفتح الإسلامي ، حيث أكدت العهدة العمرية على الوجود القبطي في القدس ، ضمنت الامان لكل الطوائف المسيحية في المدينة المقدسة ، واستمر بناء الكنائس والأديرة في القدس ن دون أي عوائق .(32)
ومن الممتلكات الدينية للأقباط فى القدس ،الان ،مايلى (33)
1. دير السلطان ، وبه كنيستا الملاك ، والأربعة حيوانات .
2. دير ماانطونيوس ، شمال شرق القيامة .
3. دير مارجرجس ، في حارة الموارنة .
4. كنيسة السيدة العذراء، بجبل الزيتون .
5. هيكل على ، جبل الزيتون.
6. كنيسة باسم ماريوحنا ، خارج كنيسة القيامة .
7. كنيسة صغيرة ، باسم الملاك ميخائيل ، مىصقة للقبر المقدس في الغرب .
كما ترتب على الوجود القبطى في اقدس ، إنشاء بعض المؤسسات ذات الطابع المدني ، من أشهرها المدرسة القبطية ،وكلية الشهيدة دميانة للبنات . فضلا عن وجود جمعية خيرية اجتماعية ، لرعاية الأقباط في القدس .(34)
ألاوقاف المسيحية :
 حفلت الوثائق القبطية بالعديد من حجج الأوقاف المرصودة على القدس .والجدير بالذكر أن الوقف لم يكن حكرا على الأماكن المقدسة في القدس ، من الأثرياء الأقباط فحسب ،بل كانت معظم الأوقاف من أفراد الطبقة المتوسطة القبطية زفهناك عديد من الأوقاف القبطية ، تشتمل على عمارات صغيرة ، أوجزء من عقار ، بعضها موقوف لنفع الأبناء والذرية ، على أن تؤول ، فيما بعد، غلى الأماكن المقدسة فى القدس ،والبعض الآخر تم وقفه لصالح الأديرة القبطية في مصر ، وفي حالة تعذر ذلك ، تعود عائداتها إلى القدس . فضلا عن أوقاف موقوفه ، مباشرة ، على القدس . وبصفه عامة توضع معظم الأوقاف القبطية تحت اشراف البابا القبطي في القاهرة وينوب عنه المطران القبطي في القدس ، ولكن ،في حالات نادرة ،وقف بعض الأقباط اوقافا على الحرم القدسي ،بصفة عامة ، دون تخصيص لدير ، وكنيسة معينة ،وفي هذه الحالة توضع هذه الأوقاف تحت إشراف ناظر أوقاف الحرم القدسي ،وهو من المسلمين .(35)
منذ القرن التاسع عشر ، تولى الأقباط بأنفسهم رعاية الأوقاف والممتلكات القبطية في القدس ،ولاسيما مع تولي بعض الأقباط لوظائف إدارية في القدس .(36)
الانتداب البرياطنى والوقاف المسيحية
 نظرا لاهمية الأوقاف الأرثوذكسية فى معركة التهويد حيث تملك الأراضي والعقارات وخصوصا فى المدينة القديمة ،ولما تعرضت له البطريركية بالقدس من ازمات مالية ،مما منح الفرصة لحكومة الانتداب بالتدخل فى اوائل 1921 فعين المندوب السامى لفلسطين السير هربرت صموئيل لجنة تحقيق لعمل الاجراءات اللازمة لتسوية الأزمة المالية فى البطريركية . ثم عاود المندوب السامى بتشكيل لجنة ثانية عام 1925 ، للنظر فى مدى أحتياج الأنظمة السلطانية الصادرة فى سنه 1875م، بشأن بطريركية الروم الأرثوذكيسة ،وأيضا ،ضمان حق دخول الطائف الأرثوذكسية العربية فى أخوية القبر المقدس ، فضلا عن أمر اقالة مجالس ابطريركية الأورشيليمية الأرثوذكسية العربية والبطريركية .
 لقد ظهر بوضوح عهد الخلافات بين المسيحين العرب ،واليونان وكانت قضية الوقاف أهمها لارتباطها المباشر بمخطط التهويد والاسستيطان .(37)
تقسيم فلسطين والأوقاف في القدس
 "إنى ذاهب إلي فلسطين ،لتنفيذ أوامر حكومتي لإنشاء وطن قومي لليهود فى فلسطين ".هكذا قال أول مندوب سامى لبريطانيا على فلسطين ،هربرت صموئيل|،عندما فرض الانتداب البريطانى على فلسطين ،عام 1920،من قبل مجلس الحلفاء ،وقبل أعتماده من قبل "عصبة الأمم" ،بعد عامين .كان لقيام "دولة اسرائيل "،في 15مايو/أيار 1948.اثر سلبى شديد على نظام الأوقاف المعمول به ،في تلك الحقبة ،سواء على مستوى المسؤلين ، أوالموظفي،حيث أغلق كثير من المساجد ، وتعطلت الصلاة ، وغيرها من الشعائر الدينية .وحدث اضطراب وضرر طال الكثير من النشطه الدينية ،والعملية في القدس ، فتعط ل العمل في المناطق الإدارية ،وغاب كثير من موظفي الدوائر ،بما نتج عنه توقف نظام الأوقاف عن العمل ،مما أصاب كثير من مباني الأوقاف بأضرار جسيمة ،نتيجةالاهمال ،وعدم الصيانة، فضلا عن سيطرة سلطة الاحتلال على موارد الأوقاف ، إما بأسليب إدارية ومالية ، تم وضعها من قبل المحتل ،أوبدمج أدارة الأوقاف ،أو باستقطاب بعض المسؤلين عن الأوقاف .(38)
 لقد سعت سلطة الاحتلال للسيطرة على الأوقاف في القدس ن بطرق شتى ، مثل سن القوانين ، أو باللجوء الى العنف ، ورغم ماواجهته سلطة المحتل من مقاومة من الشعب الفلسطينى فإنها لم تتوان عن السعى للسيطرة على الأوقاف ، وساعدها على ذلك ماقررته اللجنة التى تم تشكيلها من الأمم المتحدة المتعلقة بفلسطين ،فى مايو/آيار 1947م،من تعامل مع مدينة القدس ، بوصفها كيانا منفصلا ،يخضع لنظام دولي خاص ، تديره الأمم المتحدة . وجاء تعريف هذه اللجنة للأماكن المقدسة بأنها عبارة عن مجرد قوائم لهذه الأماكن ، دون أن يسري عليها تطبيق أسس الوضع القائم فغدا لافرق بين هذه الأماكن المقدسة ، وبين الأماكن العادية ،من حيث الأهمية .(39)
 كان لوضع الأوقاف المسيحية شأن آخر أكثر سوء، حيث تم توقيع عقد إيجار طويل المدي (49)،إبان النكبة بين البطريرك يتموثيوس الأول ، تخلي بموجبة عن مسحات واسعة من أراضى البطريريكيه فى القدسالجديدة بما كان يعرف بأرض المصلبة ،أقام عليها الصهاينة عمارات الكنيست ، ومقرر رؤساء اسرائيل ، وسكن رئيس الوزراء الاسرائيلي ، ومقر وزارة التعليم،وسكن لوزير المالية .(40)
 من النكسه حتى أوسلو
 إبان نكسة 1967م، أصدرت "اسرائيل" قانون حماية الأماكن المقدسة الإسرائيلية ، وبناء عليه أصبحت سلطة الاحتلال ترى فى نفسها الحارسة الأمينة على الأماكن المقدسة في القدس القديمة ، بالتعاون مع زعماء الطوائف الدينية الثلاث ، وذلك رغم وضع الكيان الصهيوني غير القانوني ، كمحتل!.(41)
 فعندما سقطت مدينة القدس فى يد الكيان الصهيوني ، بعد معركتة مع الجيش الأردنى ، استولى الكيان على مفاتيح القدس ،ومنها مفتاح باب المغاربة ، احد أشهر الأبواب العتيقة ،ولايزال هذا المفتاح في حوزة سلطة الاحتلال ، رغم إلحاح الأوقاف الاسلامية على ضرورة رده ومن هذا اليوم ، لم يسمح للأوقاف الفلسطينية بتجاوز هذا الباب ، أوبإجراء أى ترميم له ،أو لغيره من الممرات العتيقة ، لحمايته من الانهيار ، تحت وطاة حفريات سلطة الاحتلال المستمرة ، والتى لاتنقطع . (42)
 لقد اتخذت سلطة الاحتلال عدة إجراءات ، قانونية وعملية ، للقضاء على الأماكن المقدسة في القدس . حيث عمدت ،بعد نكسة 1967 ، على القضاء على التراث الإسلامي والمسيحي ، فشرعت بحفريات غير قانونية ، حول الحائطين ، الغربي والجنوبي ، للحرم القدسي ، والمسجد الأقصى، بحجة التفتيش عن الهيكل المزعوم ، مما لأدى الى تهويد 300 عقار حضارى وسكني بالانهيار .(43)
 في 21/8/1969م،أحرق أحد الصهاينة المسجد القصى ، وقد أتى الحريق على منبر صلاح الدين ، وأجزاء من الحرم القدسي .
أسهم القرار السياسى الصهيوني بنقل العاصمة إلى القدس فى تحولها الى مركز لبعض المجالات الإدارية ، والتعليمية الصهوينية ،وتعزز هذا المركز عبر اتساع مجال القدس الغربية ، بادراج ضواح يهودية ، وقرى عربية مهجرة ، وأراضي خالية ضمن هذا المشروع التوسعي . بجعلها مدينة يهودية لايوجد بها سوى أقلية من غير اليهود ، لاتتجاوز 10%من السكان .(44)
 قامت سلطات الاحتلال بإصدار عدة قوانين ، وانظمة ، واوامر، لتكريس "القدس الموحده"، كواقع جغرافي وسياسي ،على النحو التالى:
 عدلت قانون القضاء والإدارة ، بادخال بعض فقرات جديدة على المادة 21 منه ، حيث نصت على : طأن قانون القضاء والإدارة يسري على كل منطقة في (أرض إسرائيل)، تحددها الحكومة بموجب أمر ".
 كما ادخلت تعديلات على المادة 3 من قانون إدارة البلديات ،نصت على أنه "يحق للوزير (أى وزير الداخلية )بناء على رأيه الخاص ،دون إجراء تحقيق بموجب م 8،توسيع حدود بلدية ما ،باعلان إدخال المنطقة المحددة بالأمر 11/أ ،من قانون القضاء والإدارة العام 5708/1948".
 كما ونصت الفقرة 2:"حيثما وسع الوزير منطقه بلدية ما ، كما وصف سابقا ،فإن حقه ان يعين بامر ، اعضاء إضافيين من سكان المنطقة المضمومة ".
 جدير بالذكر أنه ، في اليوم التالي لإقرار تعديل قانون البلديات ، فى 28/6/1967م، أصدر وزير الداخلية ، حاييم عوش شايير، أمرا الى رئيس بلدية القدس المحتلة ، تيدى كوليك ، قضى بتوسيع منطقتة بلدية القدس .(45)
 فى عام 1971من عبرت هيئة "اليونسكو" عن قلقها ، بشأن الحفاظ على المواقع المقدسة في المدينة القديمة . وتم عقد مؤتمر ، في عام 1972 ، باشراف اليونسكو ، تقرر فيه مطالبة "اسرائيل " بضرورة اتخاذ الإجراءات الضرورية ، للحفاظ الدقيق على العقارات والمباني الحضارية كافة . وان تمتنع عن إجراء أية حريات ، تنقيبا عن الآثار ، وعن نقل المعالم الحضارية من أماكنها ، وإجراء أ] تغييرات تطمس سماتها ، وطابعه التاريخي ، خصوصا الدينية المسيحية لإسلامية "
ولاتزال سلطة الاحتلال تتجاهل هذا القرار ، كمثله من القرارا ، وتصر على رفض كل المقترحات المتعلقة باستغلال مبان ،أومواقع دينية معينة ،عن سيادة أي دولة (46).
 في 30/7/1980م،أقر الكنيست قانونا ، حمل توقيع رئيس الدولة ، آنذاك ،اسحق ناقون ، ورئيس حكومته ،ميناحم بيجن ، ونص على أن " أورشليم الكاملة الموحدة هى عاصمة إسرائيل ، ويكون فيها مقر رئيس الدولة ، والكنيست ، والحكومة ، والمحكمة العليا ".وتنفيذ لسياسة توحيد شطري القدس ، عمدت سلطات الاحتلال إلى جعل ضم القدس الشرقية واقعا يتعذر تجاوزه ، فربطت اجزاء المدينة ومحيطها بشبكة البنية التحتية الاسرائيلية ، مع إهمال متعمد للخدمات الخاصة بالمواطنين الهرب هناك .(47)
 نجح الاحتلال الصهيونى منذ نكسة 1967م، بالاستيلاء على مساحات استراتيجية حولها كلها الى مستطوطنات فصل بعضها بين القدس وبين بيت لحم ، حيث استغل الاحتلال بعض النوس الضعيفة من الطوائف المسيحية ومعهم بطريرك يونانى فى الاستيلاء على كثير من أملاك وأوقاف الطائفة الأرثوذكية العربية ببيعها لجمعيات صهيونية ،فتم توقيع عقد بيع ميدان عمر بن الخطاب فى باب الخليل ، الذى يضم ثلاث فنادق تاريخية وعشرات المحال التجارية ، متورطا فيه بطريرك الروم الأرثوذكس البطريرك أرينيوس الأول مقابل 130 مليون دولار،فضلا عن تأجير 32 دونما من أراضى البطريركية فى محيط مسجد بلال بن رباح عند مدخل مدينة بيت لحم ، لألف عام !، لقد ساد الاستنكار والغضب أوساط الطائفة الأرثوذكسية فى القدس ، وتزايدت المطالبات بتنحية البطريرك أرينيوس وتقديمة للمحاكمة ، ووصف الأب الأرشمنديت عطا الله ماحدث بأنه "مشهد مخز من مشاهد الحالة التى وصلت اليها الكنيسة "،واضاف عطالله أن "أرينيوس الأول يعد خادم للوكالة الصهيونية ، التى مهمتها الأساسية شراء أو سرقة الاراضي العربية كحلقة من حلقات المشروع الصهيوني الاستيطاني ".
تسببت تلك التصريحات للاب عطا الله للتحرش به والاعتداء عليه جسديا من قبل أجهزة الشباك الصهيونية ، كما تلقى تهديدات بالتصفية لمواقفه الوطنية حين صرح بأن صفقة بيع ممتلكات الكنيسة الأرثوذكسية فى القدس الشرقية لجماعات يهودية سوف تظل وصمه عار تلاحق الذين قاموا بها وخططوا لها .(48)
 على الرغم من رفض أكثر من سبعين سفارة فى تل أبيب الانتقال إلى القدس ، فإن الاحتلال واصل عمليات التهويد للمدينة المقدسة ، من الداخل ، بالاستيلاء على الأوقاف وغحاطتها بسياج من المستعمرات الاستيطانية ، حتى طرحت القضية فى مؤتمر مدريد ، خريف عام 1991.(49)
اتفاقية اوسلو والأوقاف
 منذ توقيع"اتفاقية اوسلو "(13/9/1993)،بدات مرحلة جديدة ، نجح فيها الكيان الصهيوني فى تجميد مناقشة قضية القدس ، وترحيلها الى مفاوضات الوضع النهائي ، التي كان المقرر البدء فيها ، في مايو/آيار 1999.ولقد شهدت القدس اعلى مراحل التهويد ، حيث أصدر الكنيست ، في نهاية عام 1994 ، القانون الثالث ، الذي حظر على منظمة التحرير أى عمل أونشاط في القدس الشرقية ، مما أدى الى اندلاع "هبة النفق"، عام 1996، والتي اندلعت اثر قيام المتطرفين اليهود بحفر نفق بمحاذاة الجدار الغربي للمسجد الأقصى ، وفتح بوابة للنفق تحت المدرسة العمرية ، وهي عقار ووقف إسلامي ، في الرواق الشمالي للمسجد الأقصى ، ويبدأ هذا النفق من نهاية حائط البراق ، وطوله 47 مترا ، وعمقه حوالى 15 مترا ، ويستمر النفق ، حتى بابا الغوانمة ,(50)
 قدمت بلدية القدس المحتلة ،فى عام 1998، الى حكومة نتنياهو مخططا من حصيلة عمل هيئات وشخصيات متخصصة فى التخطيط والاستيطان ، قضى بتوسيع القدس ، للمرة الثالثة ، بمقدار خمسة أضعاف ساحنها الحالية ، مااقتضى ، فى المقابل ، تقليص الوجود العربي الفلسطينى في المدينة ، الى النصف ، ليصل نحو 15%، فقط من مجموع اهلها.(51)ٍ
 فى سلسلة لاتنقطع من القوانين والقرارات ، التي دأبت سلطة الاحتلال على إصدارها ، لتهويد واغتصاب القدس ، صدر فى 26 يناير/ كانون الثانى 1999، قرار من الكنيست ، لتشديد اجراءات إعادة أي من الأرض المغتصبة فى القدس ، حيث اشترط القرار موافقة 61 نائبا ،من أصل 120 (مجموع أعضاء الكنيست )، لإعادة أي أرض تمت السيطرة عليها ، من قبل سلطة الاحتلال ، مثل القدس الشرقية ، على ان يعرض الأمر ، بعد الموافقة ، للاستفتاء الشعبى .(52)
انتفاضة الأقصى والاستقلال والأوقاف
اندلعت  "انتفاضة الأقصى والاستقلال" ،فى 28سبتمبر /أيلول 2000 ، كما هو معروف ، على إثر زيارة ارئيل شارون للحرم القدسي ، ولقد شهدت تلك المرحلة أخطر عمليات التهويد للمدينة المقدسة ، من اهمها حفر نفق القدس ، وتوسيع بلدية القدس مع استكمال إقامة المستعمرات الاستيطانية ، وفى مقدمتها مستعمرة (أبوغنيم )، وقد توجت هذه المرحلة ببناء جدار الفصل العنصرى ، الذى يبتلع "القدس الكبرى "، بحدود بلديتها ،وتدشين المذيد من المستعمرات وبجوار تلك الإجراءات العملية ، تواصل سلطة الاحتلال إجراءاتها القانونية . ففى 15 يوليو/تموز 2003، صادق الكنيست على مشروع قرار ، قدمتة كتلة " الليكود" ، قضى بان أراضي الضفة الغربية وقطاع غزة ليست محتلة ، من الناحية التاريخية ، ولاحسب القانون الدولي ، ولا وفقا للاتفاقيات التي وقعت عليها إسرائيل ". وهذا يعني السيادة الصهيونية المطلقة على القدس كلها ، ورضها أي مفاوضات مستقبلية مع إقامة ماترغب فيه من مستوطنات في القدس .(53)
وصل الأمر أبعد من الاستيلاء على الأوقاف ، بل إلى حد هدم بيت المقدس ، يقوم القيادى الاسلامى المفروف ، سماحة الشيخ رائد صلاح :"لاشك ان ممارسات وأقوال المؤسسة الاسرائيلية بمثابة ضوء أخضر للعنف والإرهاب ، حيث قامت بإصدار التوجيهات لكل هؤلاء اليهود الإرهابيين ، كى يواصلوا محاولاتهم ، بشت ى الطرق ، لهدم المسجد الأقصى ، وان هذه المؤسسة هي التي أرخت الحبل على غاربه ، لبعض الإرهابيين اليهود ، لكي يواصلوا هدم المساجد ، أوحرقها ، أوجرف مئات المقابر ن أو تدنيس البعض الآخر من المساجد ، والكنائس ". يضيف صلاح:"إنه ، خلال السنوات القليلة الماضية ، قام بعض المتطرفين اليهود بهدم مسجد الفرج ، ومسجد الفلوجة ، ومسجد وادى الحوارث ، ومسجد صرفند ، وأيضا ، مسجد حسن بيك ، ومسجد البحر ، ومسجد الفاروق ، لإأرجاء مختلفة من فلسطين . علاوة على تدنيس مسجد البعته ، وكنيسة البعتة ، وكنيسة معلول . على مرأى ومسمع من المؤسسة السياسية الصهيونية ، بل هي من قامت بتسجيل تلك الجرائم ضد مجهول."(54)
 لقد وضه خبراء بلدية القدس الصهاينة خطوطا عريضة لصورة القدس ، حتى عام 2010 ، واقترحوا إقامة نحو (52217)وحدة سكنية ، إضافية ، في المدينة ، وضم مساحات كبيرة من احتياطى الأراضي الموجودة شرقي المدينة .ونص المشروع على إنشاء عشرين إدارة يهودية ، وتسع إدارات عربية ، يكون لكل منها هيئة ممثلة ، تتعاون مع البلدية في اتخاذ القرارات وتقديم الخدمات .(55)
 فى مخطط آخر لتوسيع القدس ،لعام 2020 يدور الحديث عن توسيع القدس ، وضم مناطث وأحياء غير مدرجة ن اليوم ، في الحدود الإدارية ، والبلدية للمدينة ، بحيث تشمل 12 حيا يهوديا و6 أحياء عربية ، بما فيها أحياء المدينة القديمة .(56)

وبعد،،،
إن لشريعة الإسلامية لاتجيز بيع الوقف ولاتحويلة خلافا لشروط الواقف ، كما ان الوقف لايسقط بتقاد الزمن ال إذا كان اغتصب لاكثر من ثلاثة وثلاثين سنه على الأقل بدون ممانعة او انقطاع ، وهذا لم يحدث للأوقاف فى القدس منذ بدايه الاحتلال حتى الان .
 لذا فأن التمسك بالحقوق والثوابت التاريخية فى القدس والمحافظه عليها واجب لايمكن التخلى عنه أو التساهل فيه .

 


الهوامش
1) د.مصطفى عبدالغنى ، الأوقاف على القدس ، القاهرة ، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، 2007 ، ص7.
2) ابراهيم عبدالكريم ،حائط البراق الملكية الاسلامية والانتحال اليهودى ، ط1 ،منشورات القيادة الشعبية الإسلامية العالمية ، 2001،ص 11.
3) المصدر نفسه ، ص 11.
4) د. أحمد صدقى الدجانى ، تاريخ القدس منذ الفتح العربى ، موقع المركز الفلسطينى للآعلام .
5) المرجع نفسه .
6) المرجع نفسه .
7) المرجع نفسه .
8) القدس بين الأسرله والتهويد ، بيروت ،ن سلسلة معلومات ، شباط /ابريل 2007 )، ص 30 ، بدون أسم
9) موقع المركز الفلسطينى للاعلام ، تاريخ القدس منذ الفتح العربى (2).
10) عبدالغنى ، مصدر سبق ذكره ، ص32.
11) المرجع نفسه ، ص 35.
12) المرجع نفسه ، ص 36ـ37.
13) موقع المركز الفسطينى للاعلام ، تاريخ القدس منذ الفتح العربى (3).
14) المرجع نفسه،(3).
15) موقع مؤسسة فلسطين للثقافة ، وقفية صلاح الدين الأيوبى لآل الخالدى في القدس ، 11/5/2007.
16) القدس بين الاسرله والتهويد ، مصدر سبق ذكره ، 27،28.
17) المرجع نفسه ، ص 28.
18) موقع مؤسسة فلسطين للثقافة ، مرجع سبق ذكره.
19) موقع مؤسسة فلسطين للثقافة ، نصوص وحجج لأوقاف مقدسية ، 27/3/2006.
20) المرجع نفسه .
21) المرجع نفسه .
22) المرجع نفسه .
23) موقع المركز الفلسطينى للاعلام ،تاريخ القدس (3) مصدر سبق ذكره.
24) عبدالغنى ، مصدر سبق ذكره،ص 60.
25) المصدر نفسه ،ص 61.
26) بشير بركات ، وقف الدمشقى في القدس ، موقع مؤسسة فلسطين للثقافة ، 30/11/2008.
27) المرجع نفسه .
28) المرجع نفسه .
29) عبدالغنى ، مصدر سبق ذكره ، ص119ـ122.
30) المصدر نفسه ، ص 124ت125.
31) د. أحمد يوسف القرعى ، دفاعا عن القدس ، القاهرة ، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، 206، ص 13ـ14.
32) د. محمد عفيفى ، الوجود القبطى فى القدس حتى القرن العشرين ، ابحاث الندوة السادسة ، هوية القدس العربية والأسلامية 2ـ5 تشرين الأول /ديسمبر ، 1995 ، عمان ، موقع المركز الفلسطينى للأعلام .
33) القدس بين الاسرله والتهويد،مصدر سبق ذكره ، ص129.
34) عفيفى ، المركز الفلسطينى للأعلام ، صدر سبق ذكره.
35) المرجع نفسه .
36) رؤوف ابوجابر ،أزمة الأوقاف الأرثوذكسية في القدس ، موقع بانيت الالكتروني ، 3/5/2008.
37) عفيفي ، المركز الفلسطيني للأعلام ، صدر سبق ذكره.
38) عبد الغنى ، مصدر سبق ذكره .ص 129 ـ130.
39) ابوجابر ، موقع بانيت ، مرجع سبق ذكره .
40) عبدالغنى ،مصدر سبق ذكره ،ص 130،156.
41) المصدر نفسه،ص154.
42) المصدر نفسه، 154 ـ156.
43) القدس بين الأسرلة والتهويد ، بيروت ، سلسلة "معلومات" ،شباط / ابريل ،2007 ، ( انظر : حسن السبع ، القدس التدويل والتهويد ، ص212 ).
44) ابراهيم عبدالكريم ،المخططات الهيكلية الاسرائيلية لتهويد القدس، شؤون عربية (القاهرة ، يونيو/حزيران ، 2000 ، العدد 102 ، ص 111.
45) المصدر نفسه ، ص 12،13.
46) عبدالغنى ، مصدر سبق ذكرة ، ص 156 ،157.
47) عبدالكريم ، مرجع سبق ذكره ، ص 114 ،115 .
48) عبدالغنى ، مصدر سبق ذكره ، ص 215 ،241.
49) المصدر نفسه، ص 158.
50) المصدر نفسه ، ص 158.
51) عبدالكريم ، مصدر سبق ذكره ، ص 123.
52) عبدالغنى، مصدر سبق ذكره ، 160،161.
53) المصدر نفسه ،ص 164،165.
54) الشيخ رائد صلاح ، اعتداءات المتطرفين على القدس ،الموقع الفلسطينى للاعلام .
55) عبدالكريم ، مصدر سبق ذكره ، ص 124.
56) المصدر نفسه ،ص 125.
بقلم:آمال الخزامى

 

VN:F 1.9.16_1159
Rating: 6.5/10 (2 votes cast)
Share on FacebookTweet about this on TwitterShare on Google+Share on Tumblr
أضف تعليقك
VN:F 1.9.16_1159
Rating: 6.1/10 (7 votes cast)

قد ترجع أصول الشعر الشعبي، والحكايات الشعبية فـي المجتمع الفلسطيني إلى جذور عالمية مشتركة، مع المجتمعات الأخرى، توارثتها الأجيال عن الأمم البدائية، ومعتقداتها الدينية القديمة، فضلاً عن عوامل محلية إقليمية أخرى.
ثمة عوامل كثيرة أخرى أثرت فـي الشعر الشعبي عند المجتمع الفلسطيني، لخصوصية هذا المجتمع، الذي وقع تحت نير الاحتلال، لقرون عدة(1).
فهناك قصص حب رائعة، تكشف عن نبل العواطف، تضاهي روائع الأدب العالمي، وأيضاً، قصص كفاحية  مرتبطة بالكفاح والنضال ضد الاحتلال، منذ العصر العثماني، حتى الآن، تنتقل من الآباء، إلى الأبناء، ومن الأجداد للأحفاد. وهي قصص ذات إطار سياسي، ومضمون وطني، وطبقي، فـي آن. مثل قصة (ممدوح ومبا)، التي تصور، خلال قصة حب، كفاح جبل العرب ضد الفرنسيين، وقصة حسين العلي، من عرب الصقر، التي تصور كفاح الشعب  الفلسطيني ضد الإنجليز. وعليه، فإن التراث الشعبي الفلسطيني غني بقدر غنى كفاح هذا الشعب(2).
شارك الشعر الشعبي بدور واع فـي خدمة القضية الوطنية الفلسطينية، مناهضاً للاحتلال، محفَّزاً على المقاومة، بجوار الفنون الأخرى. كما تعد ثورة 1963، منعطفاً جديداً فـي تاريخ الأغنية الشعبية فـي فلسطين، فـي موازاة المقاومة فـي هذه الثورة(3).
تقول الشاعرة سلمى الخضراء الجيوسي:
يا بريطانيا لا تغالي                   .  لا تقولي الفتح طاب                          .
سوف تأتيك الليالي                       .  نورها على الحراب                                 .
لقد ركز شعر الثورة الشعبي في ثلاثة موضوعات: شعر المعارك، شعر البطولات الفردية الشعبية، وشعر الحماسة(4).
وقد تناولت الأغنية الشعبية أحداث الثورة، والمجاهدين. واعتاد الشعراء طواف القرى، والمدن، فعمت روح النضال والثورة أنحاء البلاد(5).
تعد الاحتفالات الشعبية واحدة من أهم وسائل التعبير الثقافـي، والتي لاقت اهتماماً كبيراً فـي ثورة 1936، فكان هناك الاحتفال بإحياء المواسم الشعبية الفلسطينية، مع استعراض القوة، التي ترمز لقوة «اللجنة العربية العليا» فـي فلسطين، بزعامة الحاج أمين الحسيني، مفتي فلسطين، والقائد السياسي لثورة 1936، حيث كان يتغنى به، وببطولاته، فقال الشاعر:
لو في نبي بعد النبي                    .  كان النبي هو الحاج أمين                           .

ومن الهتافات:
سيف الدين الحاج أمين / حاج أمين يا عمنا نفديك بدمنا(6)

شعراء وثوار:
هناك كثير من الشعراء الذين شاركوا في الشهرة، وانخرطوا فـي صفوف الجهاد والثورة، وخاضوا المعارك، وزج بالبعض منهم فـي السجون، واستشهد البعض الآخر، وكان لشعرهم أثر كبير فـي نفوس زملائهم المجاهدين، خصوصاً، وعلى أفراد الشعب عموماً.
من هؤلاء الشعراء الثوار فرحان سلام، شاعر شعبي، شارك فـي الثورة، وفريد عودة، الشاعر الشعبي الثائر، الذي زج به فـي المعتقل، والشاعر موسى محمد الرحَّال، الذي كان يحرث الأرض بالنهار، ويطارد قوات الاحتلال فـي الليل، والشهيد عوض، ولايمكن أن ننسى الشهيد المجاهد نوح إبراهيم، قائد الثورة فـي منطقة الجليل الغربي(7).
لم يعتمد أكثر الشعراء الثوريين على التجارب العامة للشعب الفلسطيني، وإنما اشتركوا، عملياً فـي صنع تلك الكفاحات، ودفع كثير منهم عمره ثمناً لهذا الموقف، حيث وقفوا فـي الصفوف الأولى فـي المعارك واعتقلوا، واستشهدوا، وحكم عليهم بالإعدام، مما جعل لشعرهم طعما خاصاً(8).
الشهيد عوض ، ابن مدينة نابلس (جبل النار) ، كان مثله  مثل آلاف الشباب الغيورين على وطنهم، ولم يكن يملك ثمن  السلاح، فباعت زوجته ذهبها، لتشتري السلاح، فيلحق بأخوة له سبقوه إلى الكفاح، لكن عوض يقع أسيراً، ويصدر ضده حكم بالإعدام(9).
ليلة تنفـيذ الإعدام فـيه، تذكر الفتى، ابن الثالثة والعشرين، زوجته، وأطفاله، وشقيقيه، اللذين سبقاه فـي الشهادة، وتذكر شعبه البطل، فأخذ قطعة من الفحم، وسجل بها على  جدار السجن أروع القصائد الشعبية، التي عبرت عن التضحية والصمود والإصرار ، قبيل ساعات من تسجيل اسمه فـي سجل الشهداء الخالدين(10).
قام زملاء «عوض» فى السجن بحفظ القصيدة، ونشرها خارج السجن.
ياليل خلي الأسير تايكمل نواحه  رايح يفيق الفجر ويرفرف جناحه

ويعاتب الليل بأنه يمرجح المشنوق، ويقف موقف المتفرج من آهاته، وأنه فرق شمل الأحباب. يقول عوض إن دمعه ليس  خوفاً، بل على الأوطان وأطفاله، وأيضاً، على أخويه اللذين سبقاه  فـي الشهادة، وزوجته التي لم يترك لها حتى أساورها، وفـي النهاية قال عوض:
ظنيت لنا ملوك تمشي وراها رجال           .  تخسا الملوك إن كانوا هيك أنذال                       .
والله تيجانهم مايصلحوا لنا نعال            .  إحنا إللي نحمي الوطن، ونضمد جراحه(11)     .

نوح إبراهيم  نموذج رائع آخر للشاعر الكادح، والثوري الشجاع حتى النهاية، الذي ضحى بروحه، واستشهد وهو مرابط على السلاح. يتحاكى الناس ببطولاته، بالقدر الذى يتغنى به الصغير والكبير فـي المدن والقرى بقصائده. كان إبراهيم يكتب الشعر، ويلحنه، ويغنية، فكان يسهم، جسدياً، فـي معركة بلاده  لمقاومة الاحتلال، ويتجول بين القرى، يخطب، ويرتجل الشعر،  ملهباً المشاعر الوطنية للأهالي، لحثهم إلى الانضمام إلى صفوف المجاهدين(12).
سجل ابراهيم لحظات الثورة، لحظة بلحظة، بالكلمة، والغناء. وعندما استشهد الشيخ عزالدين القسام، أبدع ابراهيم قصيدته !
عز الدين يا خسارتك                         .  رحت فدا لأمتك                           .
مين بيذكر شهامتك                     .  يا شهيد فلسطين                               .
فالقسام هو الشجاع الذي ضحى بروحه من أجل استقلال فلسطين، ووضع أسس الجهاد، وجمع الرجال، والسلاح، والمال، لكن الغدر والخيانة لعبا دورهما، ووقعت الكارثة. يتمنى نوح  السير على درب القسام، والموت على طريق القسام، فداء لفلسطين، ويختتم إبراهيم قصيدتة:
إقروا الفاتحة يا إخوان                    .    على روح شهداء الأوطان                      .
وسجِّل عندك يازمان                 .  كل واحد منا عز الدين                        .

يخاطب إبراهيم مستر “دل”، القائد العام للجيش البريطاني فـي فلسطين، أواسط ثلاثينات القرن العشرين، بقصيدة، من أكثر قصائده شهرة، حتى الآن.
دبِّرها يامستر "دل"                            .  بلكي على يدك بتحل                          .

كما أكد إبراهيم  للجنرال البريطاني أن الشعب لن يتخلى عن كفاحه لإجلاء قوات الاحتلال.
فقال:
ياحضرة القائد "دل"                    .  لا تظن الأمة بتمل                          .
إن كنت عاوز ياجنرال              .  بالقوة تغيرها لحال                         .
لازم تعتقد أكيد                        .  طلبك صعب من المحال                    .
لكن خذها بالحكمة                       .  واعطينا الثمن يا خال                      .
ونفِّذ شروط الأُمة                        .  من حرية واستقلال                             .

ندد إبراهيم بمحاولات بريطانيا قمع الثورة، وطالبها أن تمنع هجرة اليهود، وبيع الأراضي الفلسطينية لهم:
بدنا تفهم بريطانيا                  .  حتى تكفينا شرها                                  .
وتصافي الامة العربية                   .  لمنع البيع والهجرة                             .

فـي نهاية القصيدة، طالب نوح المستر «دل» بسحب جيوشه، وألح على بريطانيا لتنفـيذ وعودها:
مادمت صاحب السلطة            .  حل هالمشكلة وهالورطة (13)                 .
يشيد إبراهيم، ويفتخر بوطنه وشعبه العربي الفلسطيني، الذي  لم يرض عن الاستقلال والجلاْء بديلاً.
عبر إبراهيم عن روح التحدي، والفداء، وأبرز فكرة الوطن المقدس، فقال:
يحيا الوطن يحيا الدين             .  يحيا شعب فلسطين                        .
وانتو يا شعب العرب              .  عالحكومة منصورين                       .
تلت سنين بالليالي                     .  مانمنا بالعلالي                             .
وإحنا برأس الجبال                .  للحرب مستعدين                                   .

عبرت إحدى أغانى إبراهيم عن حبه الجارف لفلسطين، حين قال:
اطلع راس الجبل وأشرف على الوادي
وأقول يا مرحبا نسَّم هوا بلادي (14)

يخاطب إبراهيم رجال الميناء فـي يافا، عام 1936، على أثر الإضراب، فيقول:
في الإضراب ضحوا كثير              .  واجهوا الأمر العسير                      .
وكانوا مَثلَ للجميع                .  من كبير ومن صغير                           .
ست أشهر صبر علطول          .  رفضوا الربح الوفير                       .
والمثل يحكي ويقول                       .  الشرف عند الفقير                              .

لم ينس إبراهيم  الأطفال من أبناء فلسطين، فغنى لهم قصيدة، لبث روح المقاومة وحب الوطن فـيهم:
أنا العربي ياعيوني                 .  عند الموت أرمونا                      .
يمحي أُمم الصهيوني              .  لأحمي بلادي فلسطين                    .
من كيد المستعمرين
فى السياق نفسه تغنى إبراهيم بشجاعة المرأة الفلسطينية، وتضحياتها:
اسمعوا لي يا سادات                      .  خصوصا ياسيدات                          .
قصة شاهدتها بالذات                      .  من إمرأة قروية                          .
قصة عجيبة ياناس                   .  حوادثها بترفع الراس                      .
واللي عنده إحساس                .  بتعمق فيها شوية                           .

إلى أن يختم:
إسمعوا يا أهل الهمة                        .  وخصوصا نساء ها الأمة                       .
حيوا جميعا ها الحرمة               .  أم النخوة والحمية                                 .
هلي نكرت إبنها                       .  لأجل إنقاذ وطنها                              .
تحمَّلوا وخذوا عنها                 .  هالمبادئ العلية                                    .
وترجموا هالحكاية                    .  لكل اللغات الحية                           .
ازعموها رواية                        .  تقرأها الأمة العربية                           .
اقرأوا الفاتحة للشهداء                .  اللي ضحوا ارواحهم فداء                      .
وهكذا فلتكن النساء                       .  وكل أمرأة عربية (15)                            .

كان حس إبراهيم القومي وفهمه للمد العربي، لا يقل عن إحساسه بقضية التحرير والمقاومة، حيث أدرك إبراهيم بأن قوة الشعب الفلسطيني من قوة الأمة العربية، ووحدتها، فأنشد:
العمر سوا عايشين                     .  مايفرقنا ملة ولا دين                         .
السوريين والمصريين                              .  والعراق وفلسطين                          .
الدين والمذهب لله                          .  أما الوطن للجميع                           .

خاطب إبراهيم الزعماء العرب، وناشدهم إنقاذ فلسطين من المؤامرة الصهيونية:
مالنا غير الله وأنتم                   .  ياملوك المسلمين                       .
شمروا عن سواعدكم                  .  لإنقاذ فلسطين                                .

لم يفت إبراهيم تحية الشعوب الأخرى، التي تؤازر الشعب الفلسطيني، فـيحيي الشعب الهندي: «حتى الهنود قامت تطالب نصرتنا»(16).
 دخل إبراهيم المعتقل، عام 1937، ثم سجن عكا، ولم يترك نوح هذه الفرصة، إلا وحكى عن ما حدث له ولزملائه، من تهم مفبركة، يمكن الحكم عليه بالإعدام، بسبب إحداها. يرتجل إبراهيم القصائد الشعبية  ويتغنى بها داخل السجن، ليحث زملاءه على الصمود، ويبث فـيهم روح الحماس والتحدي، فأضرب السجناء عن الطعام، للحصول على حريتهم، وعندما ذاع الخبر، أعلن الإضراب العام فـي عكا، وحيفا، والناصرة.
لم يفت نوح تحية المعتقلين والشهداء فـي ثورة 1936:
الله يحمي المعتقلين                   .  والزعماء المنفيين                        .
نيَّاله اللي تعذب                      .  في سبيل الألم والتعب                      .
نيَّاله اللي تعذب                           .  وذاق الأم والتعب                            .
مش هذا ابن العرب                     .  هذا نهل المشهورين                           .

ظل إبراهيم يكتب، ويلحن، ويغني، حتى استشهد، وهو فـي طريقه للاشتراك فـي اجتماع لقيادة الثورة، فـي منطقة الجليل الغربي، صيف 1937(17).
تقديرا للفنان والمجاهد الشهيد نوح إبراهيم، تم إنشاء جائزة للتراث الشعبي، حملت اسمه، عام 1983، صدرت باسم «لجنة موسوعة الفولكلور الفلسطيني»، التي  تأسست فـي البيرة، عام 1966. منحت جوائز مالية وتقديرية للمبدعين فـي مجالات التراث الشعبي(18).

شعــراء الثــورة:
ثمة شعراء ارتبطت أسماؤهم بثورة 1936، مثل الشاعر أبي سلمى، وعبد الرحيم محمود، ومطلق عبد الخالق، وإبراهيم طوقان، الذى كان يتردد شعره ويتغنى به مثل:
موطني موطني، الجلال، والجمال، والصفاء، والبهاء فى رباك
والحياة والنجاة والهناء والرجاء في هواك
ونشيد:
وطني انت لي والخصم راغم   وطني أنت المنى
كان نشيد الثورة  يتردد فـي المدارس، وفـي الكشافة، وفـي المظاهرات مع أناشيد أخرى، مثل:
نحن جند الله شباب البلاد نكره الذل نأبى الاضطهاد

ونشيد:
يا ليوث الوغى خصمنا قد صفى

ونشيد:
سيروا للمجد طرا سيروا للحرب

ونشيد:
شبوا على الخصم اللدود من رقاد مستديم(19)

أما الشاعر الشعبي محمود زقوت، فقد وصف المعارك بطريقة رائعة:
بمعركة وادي التفاح                     .  ريح الجنة ياعالم فاح                              .
استشهد فيها الفلاح                  .  حط السنجة(*) في المرتين(**)                                  .
وقعة جرزيم وعيبال                        .  شيَّبت روس الأطفال                      .
انخذلت فيها الأنذال                                                   .  بفضل القائد فوز الدين(*)                          .
المندوب في البلاغات               .  قال ما وقع إصابات                                 .
اعترف بجرح الضباط                    .  يعني الجنود محجبين                            .
أما نسف القطارات                   .  سار موضة من الموضات                      .
وانقلاب الدبابات                 .  شلحوا العسكر مرتين                           .
تَّرخ عندك يازمان                         .  ظلم وغدر الغربين                                  .

كما حرص الشاعر على تسجيل أخبار المواقع والأحداث، فغدت القصيدة بلاغاً عسكرياً. كما دعا الشاعر التاريخ إلى أن يسجل ظلم المحتلين، وغدرهم، ما دلَّ على حسّ وبُعد إنسانيين متحضرين، يتجاوزان المعارك.
فـي أبيات رثاء لبطل استشهد، بعد مقاومة، يصف الشاعر فـيها شكل الشهيد، ويمجَّد بطولته، ويصور كيف أن عساكر الاحتلال لم يخفوا إعجابهم ببطولته، ودهشتهم لشجاعته:
قال أبو الجلدة وأنا الطموني ياولاد العرب ليش تخونوني(20)

الشاعر المناضل عبد المنعم، كما اعتاد أصدقاؤه أن يدعونه، أيام شبابه، بدأ الكتابة فى ثلاثينات  القرن العشرين، التي شهدت الانتفاضات البطولية، التي توجَّت بثورة 1936، قدم عبد المنعم نفسه فـي قصيدة «عزة نفس»، التي عبر بها عن كل الشعب الفلسطيني.
عزة النفس" ثروتي في حياتي                       .  وثوبي المحمود بعد مماتي                 .
الست أرض بالمال يفقر نفسي          .  لأوان صارلي غنى المملكات                   .
لا ولا اللين في خضوع وذل             .  ارتضيه زلفى لدى السادات                .

كان صريحاً وشجاعاً فـي محاربة الظلم وأسياد المجتمع، فقال:
لقد أزعج الناس بالانتقاد ليذكر بالشر في كل ناد

لم ينس أن يشيد بزملائه الوطنيين فـي اللجان والهيئات الوطنية:
هم الشباب وما الشباب سوى العزيمة في اتقاد
شعل وتوهج ليس تخمد او تحول إلى رماد

دعى الشاعر نفسه إلى وحدة الصف ، واستقواء الوطنيين بتلك الوحدة:
فتعاونوا وادعوا لمبدئكم بصدق واتحاد
إن الحقيقة سوف يسطع نورها في كل واد

ويشحذ همم الأبطال:
من للحمى غير ثوار بأوطان جلوا بأفعالهم عن كل تبيان

إلى ذلك حث عبد المنعم شعبه على عدم الركون للوعود الاستعمارية، وأن يستمر فى الجهاد:
تعاضدوا يابني قومي فتنتصروا  إن التعاضد يفني كل عدوان

كما عبر الشاعر عن القومية العربية، وعن حزنه لتقسيم الوطن العربي، والتشرذم الذي انتابه:
وأمس كل ملك في قطاع              .  تفصم عن عربي الوطن الوحيد                       .
يحارب أهله وأخر قلبي              .  وبعض عن أذى الخصم اللدود                .                                     
وتسيره السياسة كيف شاءت           .  ويرضخ طائعا مثل الوليد(21)                  .
محارب ذيب شاعر وطني، احترف العزف على الربابة، فضلاً عن أنه قاض، كان يستضيف رجال الثورة فـي منزله، ويغني لهم، وللثورة الفلسطينية. فعندما غادر الحاج أمين الحسيني فلسطين، خريف 1937، غنى ذيب قصيدة فلسطين، مجسداً أحاسيس جموع الشعب الفلسطيني، آنذاك:
فلسطين لجت يوم غادرها أسدها قلقانين تعبانين في غثاها

ويشرح الشاعر نفسه حال فلسطين والفلسطينيين، الذين حرموا لذة النوم، والجهاد هو سبيلها، حتى لو فقدت كل رجالها، وستظل نار الحرب متقدة، وينهي القصيدة:
طلب من الله يشمله بعدها أو ترجع كما كنا بعودة مولاها

كان ذيب يغني لرجال الدين الوطنيين الفلسطينيين، وعلى رأسهم الحاج أمين الحسيني:
افرحي يا فلسطين                 .  وابتهجي بالحاج أمين                        .
حولك قرة يقين                    .  على حفظ حقوقك سهار                             .

إلى ذلك تناول الشاعر ذيب السير الشعبية، للمواطنين الشرفاء، فتناول سيرة جورج، أحد الأبطال من أهالي حيفا، الذى تم إعدامه على يد سلطات الاحتلال البريطاني، أواخر الثلاثينات، ومن الأوصاف التي أطلقت على الشاعر ذيب، أنه أشبه بشعراء المعلقات(22).
تغنى أبو سلمى بالمناطق التي اشتعلت فـيها ثورة 36، وأشاد بالثوار والمجاهدين، فـي قصيدة رائعة، جاء فـيها:
جبل النار يا أعز الجبال                     .  أنت لازلت معقد الآمال                      .
ينبت المجد فوق سفحك فينا           .  وتسقيه من دم الأبطال                      .
يفصح الصخر عن شمائل أبنائك            .  فوق اللظى وعند النزال                             .
ماذكرنا حماك إلا انتسبنا               .  وانتشت نخوة رؤوس الرجال                         .
يفرغ (التنك) من صياحك                 .  و(الرشاش) يخشى من الأدغال                    .
أيها الثائرون في جبل النار                   .  سلاما يازينة الأجيال                               .
لكم الله ياحماة فلسطين                     .  زحمتم مصارع الأجيال                      .
تحملون الأرواح فوق أكف                .  وتبيعونها ولكن غوالي                       .
ورصاصتكم تمر على الأيام           .  حمرا مضيئة في الليالي                         .
يسمع الجند في صداها لفى الموت      .  فلا يثبتون يوم القتال                              .
أيها الثائرون قولوا فإن                    .  الكون يصغي إلى لهيب المقال                       .
والمعوا في غياهب الظلم نجولها               .  فإن الجهاد رحب المجال                           .
إنما الحق من بنادقكم يسطع                      .  والعدل من وراء العوالي                        .
انظروا اليوم كيف يلتفت التاريخ                .  حتى يرى بريق النضال                           .
جبل النار: لم تخلدك إلا                        .  ثورة في سبيل الاستقلال                               .
جبل النار: اقذف النار حتى                   .  نبصر النور يا أعز الجبال(23)                 .

وصف المعارك:
خاض الثوار معارك عدة، ضد قوات الاحتلال، فـي عام 1936، معارك الخضر، وعصيرة الشمالية، ووادي عاره، وبلعا، ووادي التفاح، وجبل المنطار، وحلحلول، وبيت امرين، والفندوقومية، وعزون …الخ.
فـي عام 1937، معارك اليامون ، وعرابة البطوط. وفـي عام 1938، معارك أم الفحم، وجبل الجرمق، وباب الواد، لليات وأم الدرج، وجورة بحلص. وفـي عام 1939، معارك بني نعيم، وصرف حلاوة،  وسانوره …الخ.
وصف الشاعر الشعبي محمود زقوت، معركة بلعا، عام 1936، فقال:
اول معركة في بلعا                         .  كانت هي يوم الجمعة                             .
استشهدوا فيها سبعة                          .  قتلاهم مش محصورين                          .
والمندوب في البلاغات                 .  قال: وما وقع إصابات                                  .

فـي وصف معركة بني نعيم بمنطقة الخليل، التي خاضها عبد القادر الحسيني، واستشهد فـيها عدد كبير من المجاهدين، وأصيب الحسيني، أنشد محارب ذيب:
حطوا الندور جوا القبور           .  بالزهور عليه قطوف                                .
واختم أصلي على محمد                .  كل الحجاج إلى تطوف                         .

وصف زقوت نسف القطارت والدبابات:
اما نسف القطارات                     .  صار موضة من الموضات                    .
وانقلاب الدبابات                  .  تلحوا العسكر مرتين                           .

من المعارك التي خاضها  شعبنا العربي فـي فلسطين ضد الاحتلال البريطاني والصهاينة، معركة الدبابات فـي كفر صور، ومعركة جبل الكرمل، وقد أرخ الشاعر محمود زقوت لهذه المعارك، وحيا أبطالها:
جبل النار يا فوز الدين                  .  يفديك بالمال والبنين                           .
ريح الجنة ياعالم فاح                  .  بمعركة وادي التفاح                         .

حتى وصل إلى:
عينيك ياصلاح الدين شوف شجاعة المجاهدين(24)

ثمة معارك كثيرة، خاضها الثوار الفلسطينيون ضد الاحتلال البريطاني، سجلها الشعراء، مثل معركة ترشيحا، قرب عكا، ومعركة جبع، فـي قضاء جنين، ومعركة بيت إمرين، شمال غرب نابلس، ومعركة الخضر، التي استشهد فـيها البطل السوري، سعيد العاص.
فـي وصف هجوم الثوار على مستعمرة كفار عصيون، أنشد زقوت:
على كفار عصيون صار المنادى          .  يوم عبوس يوم شر واستطارة                 .
حسين عمرو بنتخي مثل زيدان          .  صبيان لعبي اليوم عج الغبارة            .
ولحاج ناجي بنتخي في أول القوم               .  يوم عبوس يوم هذا النهاره(25)                    .

عن الإضراب تغنى الشاعر عبد الهادي كامل:
حي البلاد تجيد في اضرابها              .  في شيبها وحسانها وشبابها                      .
عاشت على الاضراب ستة اشهر                .  والخير ملء وهادها وشبابها                 .
ظلت تململ تحت أثقال الأسى                  .  مزرودة في همها ومصابها                       .
حتى انتهت في صبرها ويقينها           .  فبدت تقول اليوم فصل خطابها                .
يا أيها الرجل الذي اوته في           .  احضانها وكسته في جلبابها                    .
إن لم تزد عنها وعن ساحاتا       .  فدع الرجولة لست من أربابها                   .
وأقعد مع الجبناء أسوأ مقعد                   .  ودع السبيل لدعدها وربابها                      .
إن الخطوب إذا مهدت امامها               .  ناشتك أو عضتك في أنيابها                    .
فاربأ بنفسك أن تكون من الألى                  .  وهنت عزائمهم أمام صعابها(26)                    .

في السياق نفسه، ورد كثير من أسماء المعارك فـي الأغنيات الشعبية، حتى في أغاني الأفراح، وذلك دون ذكر لتفاصيل المعارك، فقيل:
هز الرمح بعود الزين                       .  وانتو يا نشامى منين                            .
واحنا شباب فلسطين                          .  والنعم النعميتين                               .
يا أبو العريس لا تهتم                           .  واحنا شرَّابين الدم                              .
في بلعا ووادي التفاح                         .  صارت هجمة وضرب سلاح(27)                  .

تخليد الثــوار:
سيد مهاب فـي قومه، ورجل نافذ القول، شجاع يمتلك روحاً إقتحامية، كان المسؤول عن القيادة فـي منطقة الغور، من بداية الثورة، وهو حسين بالمرجله زايد، قاتل بشراسة العدو، وأصيب، فخرج إلى بلاد الشام، للعلاج، لمدة شهرين، ليرجع مرة أخرى ويستمر فـي المقاومة، حتى الاستشهاد. وأشاد ببطولته وخلد ذكراه أحد أفراد الشعب البسطاء فـي قصيدة، قال فـيها:
يا وجد قلبي على القايد                     .  سوء الليالي نعشونه                          .
وحسين بالمرجلة زايد                     .  ما أظن البيض يليدونه                      .
ياحسين ريقك عسل ذايب          .   ياحسين ريقك عسل والله                       .
ياحسين ماطل لنا قودة              .  حزب المواسير بطناه                       .
ياحسين عصتك سابت             .  حرب الموازر له حناة(28)                               .

تخليدا للعمل البطولي الذي قام به، سرحان العلي، من عرب الصقر، الذي نسف أنبوبة البترول، عام 1936، كتب، لاحقاً، الشاعر الفلسطيني المرموق توفـيق زيَّاد، فـي وصف عمله البطولي، قصيدة جاء فـي بعض أبياتها:
كان يمشي نحو "تل الحارثية"       .  حيث ماسورة بترول سقية                .
تحمل الخير الذي يتدفق           .  من أرض الشعوب العربية لبلاد أجنبية  .
كان يمشي نحو "تل الحارثية"           .  وبجيبه دناميت ونار وفتيل                       .
وعلى كتفه كانت بندقية

وفـي رثاء له، قال:
شيعوا لبني عمومه                          .  يجيئوا بالطبول والزمور                       .
خبروهم إنه قد عاد                      .  من غزواته صقر الصقور                     .
وزعوا الحلوى وأكياس                 .   الملبس للكبير والصغير…إلخ(29)   .

وكان للشعر دوره فـي هذا الميدان:
سوريا أمنا الحنون                .  شبابها اختاروا السجون                     .
عيهم الموت يهون                        .  بقيت عليا فلسطين                                             .
خلاصها ع الحاج أمين

فـي رثاء الشيخ القسام قال الشاعر نوح إبراهيم:
عز الدين يا خسارتك                    .  رحت فدى لامتك                          .
مين ينكر شهامتك                     .  موتك درس للعموم(30)                           .

فى سياق تمجيد الأبطال، نلاحظ أن أي عرس أو احتفال لم يخل من اسم بطل أو قائد، أو شهيد، فنجد أن الأغنية الفلسطينية  حفلت بأسماء أبطال، مثل عز الدين القسام، عبد القادر الحسيني، محمد جمجوم، عطا الزير، فؤاد حجازي، أبو اكابري …الخ(31).
 مواضيع أخرى عالجها الشعر الشعبي فـي ثورة 1936،فهذه الأبيات تحث على تناسي الأحقاد، والكف عن الخلافات بين الأحزاب المشاركة فـي الثورة:
يالله يارجال الأحزاب              .  تتناسوا الأحقاد الشخصية                   .
أفراد الشعب تطالبكم                          .  والأقصى يحلفكم                           .
تبقى وحدة كلمتكم                       .  جمعا لاخلاص النية                              .

ومن الشعر الذي حث على الوحدة الوطنية:
المسلم والمسيحي                       .  اتحادهم قوي ومنيع                          .
والدين والمذهب لله                             .  أما الوطن للجميع(32)                                   .

تعبيراً عن القومية العربية، قال شعراء الثورة:
حطموا يا شيء عنكم                  .  واكسروا هذي القيود                       .
فزمان النحس ولى                     .  وأتى عصر السعود                            .
بلاد العرب أوطاني                                .  من الشام لبغدان                            .
ومن نجد إلى يمن                            .  إلى مصر فتطوان                                .
سلام على العرب الخالدين                       .  سلام العلا وسلام الكرم                      .
وإني لاقرأ تاريخهم                          .  وقد كتبوه بحبر ودم(33)                          .
دخلت البارودة عالم الأغنية الشعبية، فهي رمز القوة، كما أنها رمز للخلاص من الظلم، وهي أداة من أدوات الثورة، واستمرارها، فقيل:
بارودنا معمَّر حديد غنى  تسلم لينا يا حمى وطنَّا

كان أفراد الشعب يتبارون فـي شراء البارود، فـيبيعون أساور زوجاتهم، وأمهاتهم، لتوفـير ثمن البارود، فهذا سرحان العلم صاحب الماسورة، يبيع ذهب أمه، والشاعر الشعبي عوض يبيع ذهب زوجته، بغرض شراء بندقية.
وكما كانت البارودة عنواناً للمقاومة، فـي حياة المجاهد، كذلك كانت مدعاة للاعتزاز والفخر، بعد استشهاده، تقول أحدى المنوحات:
طلت البارودة والسبع ما طَُلّْ يابوز البارودة في الندى منبلّْ

تقول أخرى على لسان أم الشهيد، أو زوجته:
بارودته بيد الدلال أريتها                  .  لا عاش قلبي ليش ماشتريتها                        .
وبارودته لقطت صداع قرابها                   .  لقطت صدا واستوحشت لصاحبها(34)                   .

من إسهامات المرأة المتعددة فـي الثورة، إسهامها فـي الشعر، فهي تقول بتحد:
وياي فلان ويا برج عال ما هزوك
ويضرب الطوب والمدفع ماهزوك
سبع باشات والوالي ماهزوك
حتى المندوب ماتحسب له حساب

ولا يفوت الفارس أن يرد على محبوبته:
يا بنت ياللي فـي القصر طَّلي وشوفـي فعالنا
وأنت غواك شنبرك واحنا غوانا سويفنا(35)
أخيراً يرفع الشاعر الفلسطيني، الذي ولد عند اندلاع ثورة 1936، محمد حسيب القاضى الراية، ويقول:
الراية اللي سقاها أبويا                      .  من دمه في ستة وثلاثين                   .
والراية اللي عشناها أخويا                      .  ضحى في الستة وخمسين                          .
أفديها بروحي ودمي                       .  أنا وابني وخالي وعمي                                  .
ونزرعها في أرض فلسطين


المراجع

(1) موقع المركز الإعلامي الفلسطيني، التراث الفلسطيني.
(2) توفـيق زياد، عن الأدب والأدب الشعبي في فلسطين، دار العودة، بيروت، 1970، ص 31 – 32 .
(3) د. محمود حسني،  شعر المقاومة الفلسطينية /دوره وواقعه، الجزء الرابع ، مكتبة الأدب والثقافة الفلسطينية، سلسلة الدراسات (4)، الوكالة العربية للنشر والتوزيع، عمان، د.ت، ص 16 – 17 .
(4) المصدر نفسه، ص16-17 .
(5) المصدر نفسه، ص 17 .
(6) نمر سرحان  موسوعة الفولكلور الفلسطيني، الطبعه الكاملة من الألف إلى الياء، الطبعة الثانية، البيادر، عمان، 1989، ص 17 – 18 .
(7) فؤاد إبراهيم عباس، الموروث الشعبي الفلسطيني في ثورة 1936، المطبعة الفنية الحديثة، القاهرة، 1989، ص 36 – 37 .
(8) زياد، مصدر سبق ذكره، ص 95 .
(9) توفيق زياد، صور من الأدب الشعبي الفلسطيني، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 1974، ص 20 .
(10) المصدر نفسه، ص 21 .
(11) المصدر نفسه، ص 21 .
(12) المصدر نفسه، ص 56،31 .
(13) المصدر نفسه، ص 40،43 .
(14) محمود، مصدر سبق ذكره، ص 20،21 .
(15) عباس، مصدر سبق ذكره، ص 47،46،38 .
(16) زياد، صور ….، مصدر سبق ذكره، ص 54،44 .
(17) المصدر نفسه، ص 65،54 .
(18) سرحان، مصدر سبق ذكره، ص 198 .
(19) عباس، مصدر سبق ذكره، ص 44،43 .
(20) محمود، مصدر سبق ذكره، ص 17،16 .
(21) زياد، عن الأدب ….، مصدر سبق ذكره، ص 102،97 .
(22) نمر سرحان، الموسوعة الفولكلورية الفلسطينية، الجزء الأول، طبعه أولى، مطبعة التوفـيق، عمان، 1977، ص 110 ، 108 .
(23) محمود، مصدر سبق ذكره، ص 103 ، 102 .
(24) نمر سرحان، خمسون سنة من المقاومة (1917 – 1967)، من الفولكلور الفلسطيني، شؤون فلسطينية،  بيروت، العدد 18، شباط/فبراير 1973، ص 125ـ149 .
(25) المصدر نفسه.
(26) محمود، مصدر سبق ذكره، ص 108 .
(27) عباس، مصدر سبق ذكره، ص 41 .
(28) زياد، صور..، مصدر سبق ذكره، ص 29،25،24 .
(29) سرحان، الموسوعه ….. مصدر سبق ذكره، الجزء الأول، ص 60 – 66 .
(30) عباس، مصدر سبق ذكره، ص 73،31 .
(31) محمود، مصدر سبق ذكره، ص 113 – 114 .
(32) سرحان، الطبعة الكاملة….، مصدر سبق ذكره، ص 19 .
(33) المصدر نفسه، ص  30 – 31 .
(34) محمود، مصدر سبق ذكره ، ص 25 – 26 .
(35) المصدر نفسه، ص 25 .
(36) المصدر نفسه، ص 247 .
 بقلم:آمال الخزامى


VN:F 1.9.16_1159
Rating: 6.1/10 (7 votes cast)
Share on FacebookTweet about this on TwitterShare on Google+Share on Tumblr
أضف تعليقك
VN:F 1.9.16_1159
Rating: 7.5/10 (4 votes cast)

لت القضية الفلسطينية هاجسا لبنانيا ، منذ كانت تلك القضية ، مطلع عشرينات القرن العشرين ، وخلال الحركات الثورية الفلسطينية (1920/1921/1924/1929/1933/36ـ1939)
 
          فقد قرر ” اتحاد الأحزاب اللبنانية لمكافحة الصهيونية ” ، في جلستة ، بتاريخ 14 كانون /يناير 1947، إرسال مذكرة إلى وزير الخارجية البريطانية ، إرنسيت بيفن ، حدد فيها الاتحاد موقفه من مؤتمر لندن ، المنعقد في ذلك الوقت ، لدراسة الوضع في فلسطين . أكدت المذكرة على رفض استمرار الانتداب البريطاني ، ووجود الجيش البريطاني في فلسطين ، وعدم قول استمرار الهجرة اليهودية إلى فلسطين . وأشارت المذكرة إلى أن المؤتمرات ولجان التحقيق ، التي تعقد من أجل قضية فلسطين ، مجرد محاولات لكسب الوقت ، وإضاعة الفرص على العرب .(1)
 
          كما أرسل “اتحاد الأحزاب اللبنانية لمكافحة الصهيونية ” مذكرة إلى الوزير المفوض البريطاني ، في بيروت ، في 23آذار/مارس 1947، احتجاجا على قرار الأمم المتحدة بتعيين لجنة جديدة لبحث المسألة الفلسطينية ، بناء على إصرار المندوب البريطاني في فلسطين على ذلك ، وتضمنت المذكرة أن هذا القرار لا مبرر له ، خصوصا وأن قضية فلسطين لم تعد في حاجة للدرس والتحقيق .(2)
 
          إلى ذلك شارك لبنان رسميا في الدورة العادية لمجلس جامعة الدول العربية في آذار /مارس 1947، ورغم انشغال الوفد اللبناني في خلافاتة الشخصية ، فأنة استطاع أن يشارك في اجتماعات مجلس الجامعة ، وعاد إلى لبنان ، معلنا في أول نيسان/ إبريل 1947 ، تأييد الحكومة والشعب في لبنان للشعبين ، الفلسطيني والمصري ، في نضالهما من أجل الاستقلال.(3)
 
          دعت لبنان إلى عقد مؤتمرات عربية عدة ، من أجل القضية الفلسطينية ، وكانت الدول العربية حريصة على تلبية الدعوة . ففي بيروت اجتمع وزراء خارجية الدول العربية ، مع لجنة التحقيق الدولية ، في 17/7/1947 ، مؤكدين على ما ورد في المذكرة المقدمة من ” الهيئة العربية العليا ” ، الممثلة للشعب العربي الفلسطيني ، ورئيسها ، الحاج محمد أمين الحسيني ، وهى أن فلسطين جزء لا يتجزأ من البلاد العربية ، ولا سبيل لحل القضية بدون الاستقلال التام ، وأن الصهيونية تستهدف البلاد العربية ، مابين النيل والفرات وأن التساهل لا يفيد في حل القضايا الوطنية .(4)
 
          وكان الإضراب العام المنظم قد أعلن ، في 3 تشرين الأول /أكتوبر 1947، احتجاجا على توصيات لجنة التحقيق الدولية بتقسيم فلسطين ، وأغلقت مدينة بيروت ، تماما ، بدون مظاهرات.(5)
 
          لبت اللجنة السياسية لجامعة الدول العربية دعوة رئيس الجمهورية اللبنانية بشارة الخورى ، لعقد اجتماعها في صوفر بلبنان ، في الفترة من 16-19 أيلول/ سبتمبر 1947، ورفضت اللجنة توصيات لجنة التحقيق الدولية ، وقررت جمع الأموال للدفاع عن فلسطين ، ودعم شعبها ، وإمداد بالسلاح ، وأوصت للجنة الدول العربية بإيواء أطفال ونساء عرب فلسطين ، إذا ما وقع في فلسطين ما يستدعى ذلك .كما بحثت اللجنة كيفية تنفيذ المقاطعة ضد بريطانيا ، والولايات المتحدة الأمريكية.(6)
 
          كما صادق المجلس اللبناني ، في 5 كانون الأول/ديسمبر 1947، على تخصيص مليون ليرة لبنانية ،للدفاع عن فلسطين ، وتبرع النواب بشهر من راتبهم . وأسهم المجلس البلدي ، أيضا ، بمبلغ مئة ألف ليرة ، واستنكر المجلس قرار التقسيم ، واعتبر قيان الدولة اليهودية يهدد أرض لبنان ،وحرياتة ، بصفة خاصة ، والكيان العربي ككل.(7)
 
 
          وقد جاءت ردود الفعل اللبنانية الشعبية ،على قرار تقسيم فلسطين عنيفة وقوية ، بداية من التظاهر ، وصولا إلى الهجوم على المحلات اليهودية ،في مختلف المناطق اللبنانية ،كما أعلن الإضراب العام وجمعت التبرعات من أجل فلسطين .(8)
 
          دور لبنان في الحرب
           
            تعد حرب 1948 ،الجولة العسكرية الأولى التي خاضها العرب ضد الغزو ة الصهيونية لفلسطين ، وشاركت فيها الجيوش النظامية لخمس دول عربية ، هي: مصر ،وسوريا ، والأردن ،والعراق، ولبنان ، وقد بدأت الحرب كما هو معروف في 15/5/1948.
 
            معروف أن الجامعة العربية كانت عقدت اجتماعاتها ،بتاريخ 16/9/1947،في صوفر (لبنان )،وفيه قررت تقديم أقصى ما يمكن من الدعم العاجل لشعب فلسطين ، في حال إقرار التقسيم ، ثم قررت الجامعة ، في اجتماع آخر ، عقد في عالية (لبنان) ،بتاريخ 15/10/1947، تقديم مالا يقل على عشرة آلاف بندقية ، مع ذخائر إلى أهل فلسطين ، واختيار نخبة عسكرية ، لإعداد الدفاع عن عروبة فلسطين .(9)
 
اـ الدور السياسي
 
       انطلقت الحكومة اللبنانية للدفع عن فلسطين من مبادئ عدة ، سياسية وعسكرية ، منها الخطر الصهيوني على لبنان ، ومشاركة الدول العربية في الدفاع عن فلسطين ، فضلا عن إرضاء الفئات الشعبية اللبنانية ، المطالبة بدعم القضية الفلسطينية .
            حرصت الحركة الصهيونية ،مع بداية عام 1948، على إمداد يهود بيروت بالسلاح ، ليتمنوا من حماية أنفسهم ، ولتنفيذ ما يطلب منهم من أعمال تخريبية في لبنان .وقد اكتشفت الشرطة اللبنانية أسلحة متنوعة ، مخبأة في حديقة بالحي اليهودي في بيروت ، مما دفع السلطات اللبنانية إلى ملاحقة العصابات الصهيونية ، التي كانت وراء هذا العمل .(10)
 
            في الوقت نفسه قامت الجمعيات والهيئات الإسلامية في لبنان بالعمل ، والحث على الدفاع عن فلسطين ، وأثناء الاحتفال بالمولد النبوي ،حرص الرئيس بشارة الخورى على حضور الاحتفال ، وأكد، في كلمتة التي ألقاها بهذه المناسبة ، تأييده للقضية الفلسطينية .(11)
 
            في تصريح لرئيس الوزراء اللبناني ، رياض الصلح ، أمام لجنة الشئون الخارجية بالبرلمان اللبناني ، قرر بأن لبنان سوف يقدم المال والعتاد والرجال لفلسطين ،في” حدود إمكاناتة ، وفق هذه الإمكانيات ، إذا لزم الآمر “! كما سمح الصلح للقوات العربية  غير اللبنانية بالدخول إلى فلسطين ، عبر أرض لبنان الجنوبية .(12)
 
            في الوقت نفسه صرح رئيس أركان حرب الجيش اللبناني ،اللواء فؤاد شهاب ، بأنه يعارض فكرة الهجوم ، وأن الجيش اللبناني لا يستطيع القتال ، وإذا كان لابد لهذا الجيش من الاشتراك في حرب نظامية ، فعليه أن يتخذ لنفسه خطة الدفاع عن حدوده ، وقد حسم رئيس الجمهورية اللبناني ، آنذاك ، بشارة الخورى الموقف ، بتأييد شهاب ، ووقف الجيش اللبناني عند حدود بلاده ، مدافعا .(13)
 
 
            على صعيد آخر ، كان هناك بعض القوى المناهضة لحقوق الشعب الفلسطيني ، ويقدم  المساعدات للصهاينة ، ومعه بعض المتعصبين دينيا ، الذين أيدوا إسرائيل ، آمان في أن تصبح قضية “الوطن القومي المسيحي ” في لبنان سهلة التحقيق ، بقيام دولة إسرائيل .(14)
ب ـ الاستعداد للحرب
      
       أعدت الخطة الرسمية الأولى للدفاع العربي لفلسطين ، في مركز قيادة الجنرال طه الهاشمي ، في دمشق ، قبل بدء شهر آيار/مايو ، وعرضت على القادة العرب ، عندما اجتمعوا في دمشق ،في الأسبوع الأول من آير /مايو 1948 ، وتمت الموافقة على الخطة .(15)
 
            كان مجموع الجيوش العربية التي دخلت إلى فلسطين ، حوالي 000ر24،مقسمة كمايلى :
مصر 10000 ،الفليق العربي 4500،سوريا 3000،العراق 3000، لبنان 3000،بمافى ذلك 2000 من قوات “جيش الإنقاذ العربي ” .واشترك الجيش اللبناني بالزحف من الشمال ،في الهجوم النهائي على حيفا .(16)
 
            في منتصف ليلة 15/5/1948،دخلت الجيوش العربية أرض فلسطين ،ورغم كثرة المعوقات والنواقص في التسلح ، فأن هذه الجيوش ،حققت في الأيام الأولى من عمليتها العسكرية ، نجاحا ،دفع الولايات المتحدة الأمريكية ،إلى أن تطلب من مجلس الأمن (19/3/1948) التدخل لوقف إطلاق النار .(17)
 
           
            امتدت المرحلة الأولى للحرب ،من 15/5/1948ـ11/6/1948 ، وكانت خطه الدخول إلى فلسطين تبدأ بدخول الجيشين ، السوري واللبناني ،في شمال فلسطين ، وهدفهما الأول مدينة حيفا ، فيما يدخل الجيشان العراقي والاردنى ، من الشرق ، وهدفهما العفولة ـ حيفا ، أولا .أما الجيشان ،المصري والسعودي فيدخلان من الجنوب ، واعتبرت تل أبيب هدف الجيوش العربية جميعا .(18)
 
ج ـ الحرب
 
       بلغ عدد الجيش اللبناني حوالي 1000 مقاتل ، بقيادة رئيس الأركان اللبناني ، فؤاد شهاب ، الذي سبق أن أكد على عدم  قدرة جيشه على خوض حرب حديثة ، وأن أكثر مافى استطاعته هو الدفاع عـــــــــن لبنان ،قرب الحدود.(19)
 
            اشترك الجيش اللبناني في الحرب العربية الإسرائيلية الأولى عام (1948) بأربعة أفواج من المشاة ، والمدفعية ، والمدرعات ، وسرية خيالة وقد تمركزت هذه القوات على طول الجبهة اللبنانية ـ الفلسطينية .(20)
 
            دخلت القوات اللبنانية فلسطين ، باتجاه ما يسمى إصبع الجليل ن الممتد شمالا من نهر الأردن ووادي الحولة نحو دان ، وتعد هذه المرة الوحيدة التي سارت فيها العمليات الحربية العربية وفق خطة عامة ، ووضعت القوات الصهيونية بين فكي جبهتين عربيتين ، في آن ، إذ عبر السوريون نهر الأردن ، نحو شرق الجليل ، واتجهت القوات اللبنانية نحو عربة .(21)
 
            سيطر “جيش الإنقاذ ” على المالكية ، والتي تقع عند مفترق الطرق التي تصل فلسطين بلبنان ، في القطاع الأوسط من الجبهة اللبنانية ،وتعتبر المالكية مفتاح حوض الحولة ، والطرق المؤدية إلى عكا ، وصفد ،والناصرة ، وتسيطر على طريقي عيترون ـ بنت جبيل ، وبليدا ـ ميس الجبل . وفى ليلة 15ـ16 آبار / مايو 1948 ، حاول الصهاينة احتلال المالكية ، لكنهم أخفقوا ، وتكبدوا خسائر فادحة .(22)
 
            تقدم الصهاينة من الشمال ، واستولوا على عكا ، ولم يكن فيها أي دفاع من القوات النظامية العربية ، واقتربت القوات الصهيونية من الحدود اللبنانية ، وقد كانت المنطقة الساحلية خالية من المقاومة العربية .(23)
 
            في يوم 19آيار/ مايو 1948، أطلقت قافلة مدرعة ، تابعة اللواء “يفتاح “، التابع للعدو ، وتوغلت نحو 15 كيلو مترا داخل الأرض اللبنانية ، ووصلت إلى المالكية من الخلف ، وقامت باحتلالها .(24)
 
وبذلك قطعت قوات الاحتلال الطريق الموصل من الناصرة إلى المالكية ، ومفرق عيترون ـ بنت جيل ، وحاصروا 300 من المجاهدين العرب ، لذا قرر الجيش اللبناني مهاجمة قرية المالكية ، وتخليصها من أيدي الإسرائيليين ، لفتح الطريق ومساعدة المجاهدين ومدهم بالعتاد .(25)
 
            قام الجيش اللبناني بهجوم على هضبة المالكية ،بدءا الهجوم ،يوم 5 حزيران/ يونيو، مهدت له المدفعية ، والطيران السوريين ،ثم انطلقت السريتان ، الأولى والثالثة ، وتبعتها المدرعات ، وقد صادفت القوات اللبنانية مقاومة عنيفة من العدو،ورغم ذلك لم يستطع وقف تقدمها ، ودارت معركة شرسة ،وجها لوجهة،بالسلاح الأبيض ،أسفرت عن دحر العدو،وتخليه عن جميع مواقعه القتالية ،بعد خسائر فادحة ،وتمكنت القوات اللبنانية من المالكية ،وتابعت التقدم إلى قدس ، ودخلتها ، بعد انسحاب قوات العدو منها إلى النبي يوشع   .(26)
 
            فقدت القوات اللبنانية في هذا الهجوم شهيدين، وأصيب خمسة من القادة ،وواحد وثمانون جنديا ،وعطلت دبابة واحدة ، دون تدميرها، وكانت خسائر العدو ثمانية عسكريين ، بينهم ضابط ، وعدد من الجرحى .(27)
 
            قال  قائد جيش الإنقاذ، فوزي القاوقجي ، في مذكراته :”قررت معركة المالكية مصير الحدود اللبنانية ، ومصير جبل عامل كله ، فأصبح في أمان مؤقت ، على الأقل ، كما قررت مصير القوات اليهودية ، التي كانت تهدد من المالكية بالخطر الشديد ، كل ما جاورها . وفتح أمامنا ، بعد هذا الانتصار ، مجال أوسع للاتصال بالجيش السوري ، بحركة متقابلة ،فيما إذا أقدم علي عملية ما، وكان له صدي كبير في الأوساط العربية والأجنبية “.(28)
 
            قرر الاسرائلييون الهجوم ، بعد أسبوع من ثبات الجيش اللبناني، وعدم تحركه ، فشن الجيش الإسرائيلي هجوما مخادعا على النبي يوشع ، وقدس ، من الجنوب ، في حين جاء الهجوم الرئيسي على المالكية ، عبر الأراضي اللبنانية ، حيث أرسل الإسرائيليون قوة من السيارات المدرعة، والمشاة، المحمولة علي عربات نقل ، عبر الحدود ، انطلاقا من المنارة ، حتى الحدود غرب المالكية ، تصدت لها وحدة لبنانية صغيرة ، ولكنها عادت ، وانسحبت ، لعدم قدرتها على الصمود في وجه القوة الإسرائيلية المتفوقة في العدد والعتاد ، وهي التي هاجمت القوات اللبنانية في الخلف ، قبل أن تتمكن من اتخاذ الاستعدادات اللازمة ، فسقطت المالكية، بعد معركة قصيرة ، وتبعتها قدس ، التي أخلاها اللبنانيون ، وانسحبوا إلي ما وراء حدود بلادهم مع فلسطين .(29)
 
            انسحبت معظم القوات العربية ، بدعوى “إعادة تنظيم الصفوف والتخطيط لاستئناف العمليات “، في ضوء ماتلقوة من دروس من قوات الصهاينة ،ثم التنسيق للهجمات بين القوات اللبنانية والسورية و”جيش الإنقاذ “.(30) حيث شنت وحدات من الجيشين اللبناني والسوري ، وجيش الإنقاذ ، هجوما مشتركا مفاجئا علي المالكية ،فاستردوها ، رغم كثرة الحواجز ، الألغام ، التي وضعها العدو حول القرية ، واستولت القوات العربية علي رامات تفتالي ، وقدس ، وفتحت الطريق نحو سهل الحولة ، والجنوب .(31)
 
 
            استمرت الهدنة الأولي ،من 11/6ـ9/7/1948 ،ثم استؤنفت  المرحلة الثانية للحرب ، في 9/7 حتي18/7/1948، على الجبهات ، الأردنية ،والمصرية ، والسورية ، فحسب ، ولم يشترك لبنان في هذه المرحلة من الحرب .(32)
 
                        جاءت الهدنة الثانية ، في 15/7/1948، بقرار من مجلس الأمن الدولي رقمي 4،5، وفي هذه الأثناء ذهب القاوقجي إلي بيروت ، علي أمل أن  يقدر لبنان مدي خطورة الموقف علي حدوده ، فيحاول أن  يدافع عن أرضه ، وبذلك يمكن أن تمد الحكومة اللبنانية جيش الإنقاذ ببعض الأسلحة ، لمنع إلحاق الهزيمة به .ورغم قلة إمكانيات لبنان الحربية ، فقد استلم القوقجي ، علي الصعيد الآخر ، يراكون استعداداتهم . فاجتمع القاوقجي بضباطه ، وأطلعهم علي ما حدث،  وقرر الاستمرار في القيام بواجبة بالدفاع عن فلسطين ، حني النهاية .(33)
 
            عند قبول الهدنة الثانية ، انطلقت في لبنان الاحتجاجات ، والتظاهرات الحاشدة ، التي ذكرت الملوك والرؤساء العرب ، بما قرره مؤتمري أنشاص ، وبلودان ، كما ردد المتظاهرون الهتافات المعادية لبريطانيا ، والولايات المتحدة ، والصهاينة ، وطالبوا بقطع النفط عنهم . كما تظاهر 500 لاجئي فلسطيني في بيروت ، مطالبين بحقهم في الخبز ، فضلا عن تقديم استجوابين للحكومة اللبنانية في البرلمان ، بسبب تقصيرها في حرب فلسطين . كما تولت لبنان إدارة المكتب ، الذي تم إنشاؤه للدعاية لقضية الفلسطينية في أوربا ، إبان قبول الهدنة الثانية .(34)
 
 
            لم يحدد مجلس الأمن الدولي للهدنة الثانية زمنا معنيا ، علي أمل أن تتحول إلي هدنة دائمة ، ويحل الصراع سلميا ، بمعاونة الكونت فولك برنادوت ، وسيط الأمم المتحدة ، الذي وضع خريطة جديدة لفلسطين ،وقرر تعديل قرار التقسيم ، بشكل يحقق بعض العدل ، من وجهة نظره ، فأعد مشروعا ، عرف باسم “مشروع الكونت برنادرت ” ، وقدمه إلي الأمين العام للأمم المتحدة . غير أن الصهاينة لم يوافقوا علي المشروع علي المشروع ، فاغتالوا برنادوت ، في القدس ، يوم 17/9/1948، وفي هذه الأثناء تابعت إسرائيل عدداتها ، وأخذت في تنفيذ مخططاتها التوسعية الاستعمارية ، خارقة بنود الهدنة ، وتمكنت من احتلال مساحات أخرى من الأرض ،وانتزعت المبادأة من أيدي العرب .(35)
 
            عقد في لبنان اجتماع، في تشرين/أكتوبر 1948، بعد خرق القوات الصهيونية الهدنة الثانية ، ضم كلا من جميل مردم ، وزير الدفاع السوري ، ونظيرة اللبناني مجيد أرسلان ، فضلا عن فؤاد شهاب، وفوزى القاوجي ،وقائد الجيش السور ي حسنى الزعيم ، ورئيس ركن في الجيش المصري  المقدم ناصر ، وعضو اللجنة العسكرية العربية العقيد محمود الهندي ، للبحث لمساعدة الجيش المصري ، وأسفر الاجتماع عن سفر الزعيم ، وشهاب ، إلي مصر ، ليطلعا المسئولين هناك علي ما أسفر عنه الاجتماع ، ووافق الزعيم علي السفر ، في حين رفضه شهاب ، قائلا :” ماذا عسانا نعمل في مصر ؟! فإذا كلفتا المراجع المسؤولية بشئ لا يستطيع الجيش اللبناني القيام به ، فماذا يكون موقفنا ” . فرد عليه مردم :”يا جماعة هي مسألة رفع عتب “! وعلق القاوقجي علي هذا الجواب ، بقوله :”وكانت المؤتمرات كلها ،من قبل وبعد كما بدا لب ـرفع عتب “!.(36)
 
            في 25 تشرين الأول /أكتوبر1948،قام الطيران الصهيوني بغارات جوية علي جنوب لبنان ، لاحتلال بعض القري اللبنانية الحدودية ، مثل ميس الجبل ، وحولا ، سحب علي أثرها فؤاد شهاب الجيش اللبناني  المرابط في المالكية، وحل محله بعض المتطوعين بما يوازي نصف القوة النظامية فحسب ، الأمر الذي اضطر جيش الإنقاذ إلي البقاء متفردا في شمال فلسطين ، متعرضا للقصف المدفعي، دون مساعدة من أي من الجيشين ، اللبناني أو السوري .(37)
 
            رغم أنه لم يكن لدور لبنان في حرب 1948،أي فاعلية ،غير الدفاع ،فإنه لم يكن بأسوأ من مواقف الدول العربية الأخرى ، فقد أسهمت كل الدول العربية ، إسهامات متواضعة حينا وسلبية أحيانا ، والجدير بالذكر أن شعب لبنان قدم قائدا جسورا هو فوزي القاوقجي ،ابن طرابلس ، الذي مثل ظاهرة لبنانية مشرقة ، حيال القضية الفلسطينية ، فعندما شارك في جنازة الشهيد بهاء الدين الطباع ، في بيروت ، التف حوله الشباب،  وطالبوه بإنقاذ فلسطين ، واستئناف الجهاد ، علي غرار جهاده ، في ثورة 1936ـ1939، الوطنية الفلسطينية ، فأجابهم بأن حياته  فدى لفلسطين ، وانه كان ولم يزل ينتظر الوقت المواتي لهذا الجهاد !.(39)
 
 
 
 
الهوامش
 
1. موقع هيئة الاستعلامات الفلسطينية الالكتروني ، “ملف النكبة “
2. حسان حلاق ،موقف لبنان في القضية الفلسطينية (عهد الانتداب الفرنسي وعهد الاستقلال 1918ـ1952)،ط 1 ،منظمة التحرير الفلسطينية ، مركز الأبحاث ،1982، ص 162.
3. المصدر نفسه ، ص 163.
4. هيئة الاستعلامات الفلسطينية ، مصدر سبق ذكره .
5. حلاق، مصدر سبق ذكره ، ص 178.
6. هيئة الاستعلامات الفلسطينية ، مصدر سبق ذكره.
7. حلاق ، مصدر سبق ذكره ، ص 186.
8. المصدر نفسه ،ص 183.
9. الموسوعة الفلسطينية ، ط1 ،القسم العام، المجلد الثاني ، دمشق ، 1984،ص 150.
10. حلاق، مصدر سبق ذكره ،ص 193.
11. المصدر نفسه ،ص 194.
12. المصدر نفسه ،ص 195.
13. محمد فائز القيصري ، حرب فلسطين عام 1948  الصراع السياسي بين الصهيونية والعرب ، الجزء الأول ، القاهرة ، دار المعارف ، 1961، ص 157.
14. حلاق ،مصدر سبق ذكره ،ص194.
15. جون ،دبفدكميس ،من كلا جانبي التل بريطانيا والحرب الفلسطينية ،الترجمة العربية ،لندن ، سيكرواربرج ، 1962، ص 150.
16. المصدر نفسه،ص 162.
17. مذكرات القاوقجي ،ط1 ، د.خيرية قاسمية ، دمشق، دار التحرير ، 1995، ص 403.
18. حسن البدرى، الحرب في أرض السلام ـالجولة العربية والإسرائيلية الأولي (47ـ1949) ، بيروت ، دار الوطن ، المؤسسة العربية ، للدراسات والنشر ، 1976، ص 117ـ120.
19. الموسوعة ، مصدر سبق ذكره ، ص158.
20. القضية الفلسطينية والخطر الصهيوني ،ط1 ، بيروت ، وزارة الدفاع الوطني ، ومؤسسة الدراسات الفلسطينية، 1973، ص 553.
21. القصرى ، مصدر سبق ذكره ، ص 184 .
22. القضية الفلسطينية ….، مصدر سبق ذكره ، ص 554.
23. القاوقجي ، مصدر سبق ذكره ، ص 420.
24. حرب فلسطين 47ـ1948/الرواية الإسرائيلية الرسمية ،ط1 ترجمة أحمد خليفة ، مراجعة سمير جبور ،بيروت ، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 1984، ص 493.
25. القضية الفلسطينية …. ، مصدر سبق ذكره ، ص 554.
26. المصدر نفسه ، ص 556ـ557.
27. المصدر نفسه ،ص 558.
28. الموسوعة ، مصدر سبق ذكره ، ص 158.
29. حرب فلسطين ……، مصدر سبق ذكره ، ص 521.
30. الموسوعه ، مصدر سبق ذكره ، 158.
31. المصدر نفسه ، ص 161.
32. القاوقجى ، مصدر سبق ذكره ، ص 433.
33. حلاق ، مصدر سبق ذكره ، ص 225ـ226.
34. الموسوعة ، مصدر سبق ذكره ، ص 161
35. حلاق ، مصدر سبق ذكره ، ص 241.
36. المصدر نفسه ، الصفحة نفسها .
37. خليفة ،مصدر سبق ذكره ،ص705.
38. المصدر نفسه ،ص 705.
39. حلاق ، مصدر سبق ذكره ، ص 177.
بقلم:آمال الخزامى

VN:F 1.9.16_1159
Rating: 7.5/10 (4 votes cast)
Share on FacebookTweet about this on TwitterShare on Google+Share on Tumblr