VN:F 1.3.1_645
Rating: 10.0/10 (1 vote cast)
عندما اتخذ وزراء الثقافة العرب- في اجتماعهم في العاصمة العمانية في خريف عام 2006- قراراً بتنصيب القدس على منصة الثقافة العربية في هذا العام 2009، لم يكن في أذهانهم أن هناك ثقافة مقدسية أو فلسطينية .. منبتّة عن الثقافة العربية.
جميع وزراء الثقافة العرب يعرفون أن الثقافة العربية وحدة واحدة، لا تقبل القسمة القطرية أو الجهوية والفئوية والمذهبية ..
ولعل الأصوب أن يقال (الثقافة العربية والإسلامية)، لأن الأولى نمت في رحم الثانية وتخلقت فيه.
والثقافة العربية والإسلامية ليست مجرد دواوين شعر، بعضها أصيل وبعضها مقلد..
إنها قبل ذلك هندسة وجبر و(لوغاريتمات) وضوء وبصريات، وعلم حركة وكيمياء وصيدلة، وجماعات علمية تكاد تكون معاصرة في أساليبها ..
وهي طب وجراحة وتشريح ومداواة ..
وموسيقى وصوتيات وفيزياء صوت ..
وفلسفة ومنطق وطرائق معرفة ..
وهي أيضاً دراسات تاريخية تقوم على أساس من فلسفة واضحة للتاريخ، وفلاحة وزراعة ومنشآت ري واستصلاح أرض ومعمار مذهل.
وهي فلك ورياضيات فلكية وأرصاد جوية وعلم ملاحة وبحار، وفنون تشكيلية دقيقة ساحرة بلغت مراحل التجريد المنظم ..
الثقافة هي ما تركه لنا: الرازي وابن سينا (في الطب) والحسن بن الهيثم (في البصريات والضوئيات وهندسة السدود ومشروعات الري)، وابن البيطار (في علم النبات والفلاحة)، والفارابي (في الموسيقى وفيزياء الصوت) والخوارزمي وابن النفيس وابن خلدون والبيروني ..
وهذه هي بعض الثقافة التي أضاف إليها علماء من القدس وغزة ونابلس والشام في مراحل لاحقة .. فروعاً وأغصاناً ازدانت بها شجرة المعرفة الإنسانية.
وعلى هذه الثقافة تشن (إسرائيل) الحرب منذ نيف وستين عاماً .. إنها لا تستطيع أن تحتمل مثلاً وجود (قبة الصخرة)، ليس لأن هذه القبة أحد الرموز العربية والإسلامية وحسب، بل لأن هذه القبة- بشهادة عشرات الجغرافيين الأجانب- أحد أجمل الأماكن التي شيدها الإنسان على وجه الأرض، إن لم تكن أجملها على الإطلاق.
لقد وضع مخططاتها الهندسية مهندسان فلسطينيان- بتسمية هذه الأيام- هما: يزيد بن سلام المقدسي، ورجاء بن حيوة النابلسي، فجاءت أعجوبة عبقرية خالصة، ونقش وزخرف داخلها فنانون تشكيليون أفذاذاً، وهي- مذ كانت- كالحصرمة في عين ساسة (إسرائيل) الذين يقتاتون من ثقافة هجينة ليست لهم، استعاروها من ستين بلداً على الأقل.
ونستطيع أن نورد مئات وربما آلاف الشواهد التي تقض مضاجع الصهيونيين، لكن الحيز لا يسمح، ويجب أن نعود إلى الموضوع في قابلات الأيام.
لقد احتل الجنود الصهاينة الأرض العربية الفلسطينية، وشردوا ثلاثة أرباع أهلها في فيافي الأرض، واستولوا على البيارات والسهول والبوادي ومصادر المياه .. الخ.
ولكنهم لم يستطيعوا-بكل هيلمانهم وتسليحهم- أن يحتلوا الثقافة العربية الإسلامية أو يطمسوا معالمها.
ولطالما أدركوا أنه من دون تقويض هذه القلعة، فإن احتلالهم للأرض سوف ينحسر، ودولتهم لا بد تتقوض، لأنها من دون ثقافة أي من دون ركائز.
ولا حاجة إلى القول أن معاولهم التي تحفر الأنفاق تحت أساسات الأقصى، إنما تحفر تحت جدران التاريخ الطويل العريض الذي صمد لعوادي الاجتياحات والافتئتاتات، ثقافتنا هي قلعتنا الأخيرة، القلعة التي صمدت، وستصمد بإذن الله.
بقلم:محمد أبو عزة
VN:F 1.3.1_645
Rating: 10.0/10 (1 vote cast)