VN:F 1.3.1_645
Rating: 0.0/10 (0 votes cast)
ـ تدفعون الديّة..
قال الرجل السمين، الجالس في صدارة المكان..
ـ ولكن يا سيدي، لقد تسبب هذا الكلب في قتل ثلاثة من رجالنا، وفي إجهاض امرأتين، كما أن خمسة أشخاص باتوا يحملون بسببه عاهات مختلفة.
أجابه المختار، وهو يستنصر بنظراته المستكينة عاطفة الناس المجتمعين في مضيفته. لكن أحداً منهم لم يبد رأياً ولا حراكاً.
فرك الرجل السمين كفيه بعصبية وأردف:
ـ لو لم تعملوا على استفزازه لما قام بالدفاع عن نفسه، إنه كلب مدرب وله صاحب، وليس من الكلاب الضالة ولا العادية.
أغمض المختار عينيه قليلاً، وتمتم باستسلام:
ـ ندفع الديّة..
يهبّ مزعل واقفاً ويقسم برأس أبيه أن يكون ثأره، رأس صفوان..
يقرفص إلى جانب جثّة الكلب الملقاة فوق العشب اليابس، يضرب صدره بقبضة يده، يرفع العقال عن رأسه ويصفقه على الأرض، يحاول أن يلمس الجثّة بأصابعه المرتجفة، لا يصدّق أنه فقد بارود إلى الأبد.. يقوم.. يركض.. يتلفت يمنة ويسرة، يستحضر من أرجاء المكان الخالي أناساً شهوداً على الجريمة، ولمّا يردّه الصمت خائباً وتعجزه الحيلة، يمسك طرف ثوبه الطويل بأسنانه، ويركض، يحاول مرّة أخرى اللحاق بسيارة الجيب ولا يلحقها، يقترب من الجثّة، يتأكد أنها هامدة، ليس فيها نبض حياة، فينتحب من جديد..
طلقة مزدوجة سمعها تدوي في أفق المكان الصامت، خرج من خيمته المكتظّة بالنفائس، كان بارود كلبه المخلص يترنح، ينزف الدم غزيراً من وجهه المهشّم، ولم يلبث أن سقط بلا حراك..
كابوس مرعب ينقض على صفوان كلما أطبق جفنيه، يقف على قمّة التل، يراقب أشباحاً تقترب منه، يتقدمها كلب ضخم، قوائمه طويلة، ووجهه طويل، وأنيابه طويلة، يفتح فكيّة على مقدار حجم رأسه، وقبل أن يباشر افتراسه، تنقذه صرخة رعب تنطلق من حلقه تجعله يهب واقفاً، تنتفض فرائصه هلعاً، ويغوص قلبه إلى أخمص قدميه..
لقد فعلها أخيراً، حمل بندقية الصيد ذات الفوهتين، حشاها بطلقتين ثقيلتين مصنوعتين خصيّصاً لقتل الخنازير، مدّ فوهتها من شق النافذة الجانبي لسيارة الجيب، وحين اقترب من المكان، قفز هذا المسخ أمامه كالقضاء، كبيراً ضخماً، جثتّه تقارب جثة حمار مكتمل النمو. كان يسمع لهاثه، ونبضات لسانه، ويتابع نظرات شرر تقدح من عينيه، حتى أنه يشاهد أظافره تخربش صفيح السيارة المنطلقة كالسهم، يقتنص فرجة من النافذة لينقض منها عليه، يفتح شدقيه ويطرش لعابه الساخن على الإطارات. لا يتعب ولا يستسلم..
كيف يستطيع آدمي أن يربّي مثل هذه الوحش الضاري.؟ يومها اختاره مزعل من بين خمسة جراء بلغوا من العمر شهراً واحداً، تحسس مفاصل أطرافه الأربعة بأصابعه الخبيرة فأدرك أنها ستكون على قدر من الشدّة والقوّة، فتح شدقيه واطمأن إلى صلابة أنيابه، كان لونه أقرب إلى اللون البني منه إلى الأسود، فجأة يتحول اللون عند بطنه ليصبح أبيضَ ناصعاً، وجهه طويل، وأذناه مستقيمتان، تتوسط جبهته بقعة سوداء..
حمله بين يديه، وانطلق به إلى مضارب عشيرته..
اختار بقعة أرض بعيدة عن مسالك القوم، وحفر فيها حفرة مربّعة عميقة، وجعل لها غطاءً من أخشاب متينة، وأهال فوقها بعض الأغصان والأوراق والحشائش، ثم جعلها بيتاً للكلب، كان يكشفها عندما يحل الظلام، ويلقي له عظاماً نيئة، يجلس ساعة إلى جانبه، يحدثه وكأنه بشر سويّ، ولا بد أن يلقي على مسامعه بين الفينة والأخرى الاسم الذي اختاره له.. بارود..
ستة أشهر كاملة لم ير بارود خلالها بصيص ضوء، ولم يتناول طعاماً غير العظام النيئة، ولا يعرف من المخلوقات غير مزعل..
قبل أن يطلقه من سجنه، كان عليه أن يكمل مهمة تدريبه وتعليمه على الشكل الأمثل، لم يتردد، قطع بسكينه الحادّة نصف ذيله، وطرفاً صغيرة من كل أذن، وحتى تلتئم الجراح سريعاً كان عليه أن يطليها بمحلول القطران المغلي..
كانت أمامه أمور على غاية من الأهمية عليه أن يتعلمّها بأسرع وقت حتى يكون مؤهلاً للعناية بقطيع الأغنام، وردّ أي أذى يمكن أن يتعرض له في تلك البادية الشاسعة، وفي رحلات البحث عن الكلأ التي تقوده إلى أصقاع بعيدة وغريبة ومجهولة..
تعلّم بارود كيف يكون ضارياً، وتعلّم كيف يقوم بعمل أربعة من الرجال الأشداء دون شكوى أو اعتراض، يقود القطيع في رحلة يومية إلى المراعي، ويحافظ على تجمّعه، ثم يعود به في المساء، يطمئن على وصوله سالماً، ويقوم على حراسته ساعات الليل دون كلل، في إحدى ليالي الشتاء الباردة هاجمت القطيع مجموعة من الذئاب الجائعة، عثروا في الصباح على جثث ثلاثة من الذئاب منتّفة وممزقة شر تمزق، وعثروا أيضاً على آثار دماء ممتدّة إلى مسافات بعيدة. تعلّم أن المنطقة المحيطة بالقطيع أينما وجد وعلى دائرة واسعة تحيط به هي حدود سلطته، لا يستطيع أحد الاقتراب منها، وإن حصل ذلك تحت أية ظروف فالويل كل الويل له، لم يكن ينبح، ولم يكن يثير ضجيجاً أو جلبة بل كان ينقض مثل الصاعقة، ويغرز أنيابه دون رحمة، وحين يحقق انتصاره يهزّ ذيله الأزعر، ويستلقي قريراً تحت أقدام مزعل..
في تلك السنة الجدباء، رسم القطيع خط سيره إلى عوالم أخرى أكثر بعداً، سلك طريقاً صعباً يمتدّ على عتبة جبال شاهقة، فجأة أشرف على سهل خصيب ممتد بين جبلين كأنه بلا نهاية، تتخلله أنهار عذاب، فاستقر به المقام، واختار موقعاً في بطن السهل تصادف أن يكون المعبر الوحيد لسكان القرية القائمة على السفح، وطريق ذهاب أهلها وإيابهم من وإلى أراضيهم الخصبة المفرودة على بقعة من السهل..
نصب مزعل بيتاً فقيراً قوامه أكياس خيش مرفوعة على أوتاد خشبية، وأراح القطيع، في اللحظة نفسها كان بارود يستكشف أملاكه الجديدة، واستطاع أن يقرر وهو يضع بوله في أمكنة محددة محيط مملكته..
كان الصباح الأول مفاجأة أذهلت الغادين باطمئنان إلى أراضيهم، فجأة ظهر عليهم بارود كالقضاء الهابط على حين غرّة، وراح يضرب فيهم ذات اليمين وذات الشمال، غرز أنيابه في أطراف بعضهم، وكسّر أوعيتهم ومزق متاعهم، ولم يتوقف حتى اطمأن إلى ابتعادهم خارج حلقته، ومن يومها خلقت في المنطقة حالة جديدة، صار المرور مرهوناً بموافقة سيد الكلب ورضاه، وقد طرب مزعل للأمر فصار يأمر وينهى، ويطلب ويختار، ووصل به الأمر إلى اختيار أفراد من أهالي القرية يخصّهم برعايته، وتسهيل عبورهم إلى أراضيهم، ويخصّونه بأطايب الطعام.
وحين أراد صفوان أن يستجلي حقيقة الأمر، ويجد مخرجاً لهذه الحالة، كان بارود ومن خلفه سيده يقفان له بالمرصاد.. انتظر ظرفاً مناسباً، في لحظة مناسبة، سدد بين عينيه وأطلق الرصاصتين تباعاً، الكلب يعدو ويقفز يسابق السيارة، ويحاول مستميتاً حتى اللحظة الأخيرة النيل منه. كانت معالم وجهه قد تلاشت تماماً، بعد لحظات سقط بلا حراك..
المطلوب رأس القاتل.!
عثروا على صفوان بعد عدة أيام جثة هامدة، مقطوعاً بفعل ضربة فأس حاد..
عندما فرغوا من مراسم دفنه صرخت زوجته بحرقة:
ـ حسرتي على زمن تتساوى فيه رؤوس الكلاب مع رؤوس الرجال..
مزعل يصنع "باروداً" جديداً في حفرته المربّعة، بينما الرجل السمين، يجلس في مكان آخر، يتحسس كرشه المتهدّل، ويهمس لمن حوله بسعادة وانتصار:
ـ لقد دفعوا الديّة.!
بقلم:عدنان كنفاني
VN:F 1.3.1_645
Rating: 0.0/10 (0 votes cast)