VN:F 1.3.1_645
Rating: 0.0/10 (0 votes cast)
النهر يلف الأرض ..بهدير مفعم بالحنان ..يرويها ..ويبلل أفواه المتعبين ..لكنه يبقى عاجزاً أمام زحفهم وتعلقهم به ..أجل يبقى عاجزاً ..فالأرض استهلكت ولم تعد تنتج نسغاً تستمر به الحياة ..لم تعد تطعم تلك الأفواه التي تنتظر المزيد ..كما أنها شاخت منذ سنوات ..كل ما في الطبيعة يتغير ..والحياة في تطور مستمر ..
ولابد من التفاؤل ..لابد من البحث عن المزيد .. وراح يتضرع بعينيه اليابستين نحو الله..ثم يتذكر النهر الجالد ..فيهبط بنظره حرا بانتظار ذلك القارب الذي سينقله الى الضفة الأخرى ..هناك سينخرط في خضم عالم مخملي جميل تحفه رياح الحضارة ورتابة المدينة .. بقي يحملق في النهر باتجاه الضفة المقابلة يتأبط حقيبة يده .واجماً ..تجتاحه موجة قلق ..مصحوبة بمسحة من السعادة .ساعات قلائل وسيشارك الطيور متعتها بالتحليق بين طيات السحاب ..مغامرة من نوع آخر ..ومتعة لاتوصف ..وبقيت هي تتبعه وتحث الخطى وراءه ..حيث تقف كالطود الشامخ بزيها الريفي الموشح بالسواد ..يجسد وجهها الترابي الخابي أخاديد حزن غريبة لتمسكها به بلا فائدة فعيونه لاتزال تجوب مياه النهر المنطلق الى المدى البعيد ..البعيد -القارب ليته يصل ..في الحال ..آه ياجادو الملعون ..مالذي يلهيك هناك ؟ يدمدم مع نفسه دون أن يعيرها أي اهتمام ..بينما هي تكاد تسبح بدموعها ..ونظراته تمشط النهر بحثاً عن القارب الذي سيقله الى الضفة الأخرى ..حيث يستقل الحافلة من هناك ..لاشيء يعانق وجه الماء سوى طيور الماء البيضاء تداعب بعنف اندفاعات النهر كأنها تطالبه أن يتوقف عن هديره الوحشي .. -شاهين ..لاتهاجر ..فالوحدة ستقتلني ..ابق معي ..أنت وحيدي ..فليس لي بعد الأرض سواك ..هناك في الغربة ..أشياء كثر ..بائعات الهوى ..الليال الحمراء ..الخمر ..اللهو ..النقود تعشعش في الجيوب ..ليس ثمة جيوب موحشة .. كلماتك مازالت تدوي في مسامعي ياصديقي ..عابقة في أذني كأنك تحدثت لي الآن ..في طريقي اليك .أحمل صورة ناصعة عن مجتمع المدينةالحديث ..وعن معالم الحضارة التي حدثتني عنها ..ولتذهب القرية لأهلها الذين يفنون أنفسهم من أجل حقولها -آه ..لابد من احتساء الشاي الشهي مع المسافرين أصدقائك ياجادو النحس ..هنا مسافر يرقبك بفارغ الصبر ..مصيره معقود على شراعك ..ناقوس الخطر يكاد يدق حوله ..وأنفاسه محسوبة عليه باللحظات..لوتأخرت أكثر من ذلك فستخبط كل آماله ..وتصيبه الخيبة ..ويجرفه النهر محملاً بالمآسي . النهر يندفع بجنون هادر ..يلفظ كل ماعليه خارجاً ..وتلك الطيور البيضاء مازالت تواجهه بإرداة قوية ..حزينة عليه تضرع للسماء أن تبقيه .. – ياالهي ..الارض تفتقده..بحاجة اليه..الى رعايته ..ابتسامته ..نعم سيجعلها تضحك ..وتنتج دوماً .. لاح شبح القارب من بعيد ..فخفق قلبه للرحيل ..وتبددت أساريره بابتسامة فرح .. – تريث يابني ..ولاتتركني ..ابق هنا معي ..وكل ما أملكه سأعطيه لك ..المال ..الأرض ..وكل ماتريده ..ابق ياولدي .. – لقد فات الأوان يا أمي ..جواز السفر جاهز ..وتذكرة السفر أيضاً ..في اليوم التالي ستهبط بنا الطائرة هناك ..هناك سأبدأ مسيرة الحياة من جديد ..بحلوها ومرها ..سأفتش لي عن أرض ثانية .. – وهذه الأرض ياولدي ..أرضك ..أرض أجدادك ؟! – لم تعد لي إقامة عليها..أرض الله واسعة ..وهناك أراض أكثر نضارة و روعة . – وأنا ياشاهين ..أمك ..الم تفكر بمصيري ..؟ -أنت بين أخوتي ..وأنا مطمئن عليك .. – ولكنك كبيرهم ..وأحبهم الى قلبي ..عندما أحترف اليها كانت تغرق بدموعها لأول مرة منذ أن صادق ضفة النهر .. – وأنا أحبك ..جداً ..لكن الهجرة مفتاح سعادتي ياأمي ..طموحي يتجلى في الهجرة الى هناك وسأكتب لك رسالة كل يوم ..نعم خطاباتي ستخفف عنك .. وصل القارب يقوده جادو العجوز..رجل تبدو على سحنته ملامح القسوة ..يحيطه بضعة رجال قدموا من الجانب الآخر ..وهبط القارب في مرساة على مقربة منهما ..فأحس شاهين بوصول القارب وصرخ بأعلى صوته ،يكاد يطير فرحاً : – ها لقد وصل المركب ..الى اللقاء ياأمي ..لاأحب أن أودعك ..صدقيني ..وانهال على يديها وجبينها بالقبل ..القبلات الأخيرة .. لم تتمالك نفسها ..عند الوداع ..تشبثت به بقوة ..حاول أن يتحرر من قوة يديها إلا أنها تمسكت به أكثر ..انفرجت عنه ابتسامة ..فالعجوز مازالت فتية ..التصاقها بالأرض و الحقل مدها بهذه القوة ..حدث نفسه: – انه مدعاة للاطمئنان ..فهي ستعمر سنين طويلة .. كانت تكلمه ونظره باتجاه القارب الذي كان قد لفظ آخر ركابه .. -أتوسل اليك ياشاهين ..ورضاي عليك لاتفارقنا .. – لقد فات الأوان ودقت ساعة الرحيل.. – وبكل عزمه تخلص من قبضات أمه ..التي بقيت تنزف دموع الوداع ..ثم قفز الى القارب ومعه الحقيبة ..صاح جادو العجوز ..قائد المركب ،،وهو يضع حقيبته على قاع القارب.. – هيا ياعم قاسم أدركنا الوقت ..تحرك بسرعة .. قال الرجل ناظر الموقف: -بل نتريث بضعة دقائق .. – ماالأمر ؟ – عسى أن نحظى بركاب آخرين .. – لا داع للانتظار .. انطلق بسرعة ..سأتحمل فرق الاجرة .. وشرع العجوز يقود مركبه تجاه الضفة المقابلة و الام تعول بأعلى صوتها الذي اخذ يتكسر الى مسامع شاهين مع اندفاعات النهر دون توقف .. – شاهين … شاهين … – بالله عليك .. ارجع ..لأمك …لأرضك .. يا شاهين . و تتشابك نظرات شاهين في عينيه الضارعتين الى السماء نحو المدى البعيد .. بين طيات السحاب .. فتصطدم بطائرة تحلق كباشق انقض بلا هوادة .. حركتها عشوائية .. و تارة تلاعب جبال السحب الملتفة حولها .. طيرانها بلا هدف .. لها هدير .. و دوي مخيفان .. يملآن الفضاء .. ملوثة كل الهدوء الآمن الذي غشى المكان .. صاح مستغرباً : – ما الذي تفعله هذه الطائرة ..؟ قال العم قاسم العجوز : دائماً هي كذلك .. ربما تبحث عن هدف ما .. و تقترب الطائرة من النهر : في سقوط حر تارة .. و مراوغة نحو الفضاء تارة اخرى … تبحث عن هدفها … صاح شاهين : – لقد بددت هدوء تلك الطيور البيضاء .. و افسدت عليها متعتها مع النهر .و فجأة .. تتقيأ ما في جوفها العدواني من اشياء مخيفة .. كتل تهوي من عل .. ما ان تلامس الارض حتى تتطاير منها شظايا و اشلاء مخلفة انفجار غريب يصم الآذان ،، صرخ شاهين بصوت يخنقه الذعر : – غارة اجاب العجوز : – عملوها اولاد الكلبة .. شاهين – لماذا ..!؟ و شملت غارة الطائرة المعادية منطقة النهر و بعض الارجاء المجاورة .. و انقضت تنثر في فزع قنابلها المنشطرة في وحشية .. مدمرة اسراب الطيور البيضاء المحلقة فوق النهر … – هيا يا عم قاسم .. بسرعة ( قال شاهين ) .. – الى اين يا بني .. الطائرة المعادية .. تقذف بوحشية في شتى الاصقاع ( رد العم قاسم ) .. و دت صرخة مستغثية جنونية .. انبلجت من قلب شاهين فصاح في حرقة : – امي و اصيب بالاحباط .. عندها انتابه شعور هستريائي .. فأخذ ينادي امه الهامدة على الارض متألمة في تشنجات حلزونية . – عد .. عد .. اليها يا عم قاسم .. بسرعة اتوسل اليك .. و اخذ قائد المركب بعود بالقارب الى البر .. – لا تتوقف يا عم قاسم .. اسرع ..قتلوا امي ..امطروها بالشظايا الحاقدة .. ياالهي .. انها لا تعرف اهوال الحرب . و مآسيها .. انها لا تعشق في الدنيا اكثر من الارض .. تحرثها .. تغرس الاشجار .. تحصد المحاصيل .. تقطف القطن .. اين هي من حربكم المجنونة الغاشمة .. يا اولاد الكلبة يا سفلة .. لماذا يتجاوزون الى هذه المنطقة بالذات لقصفها بالقنابل لقد استهدفوها .. هي بالذات . ياعم قاسم .. نعم امي بالذات .. فقال العجوز و عيناه معلقتان بالسماء : – اللهم خذهم اخذ عزيز مقتدر .. يا رب فأنت الجبار المنتقم .. عاد المركب الى البر .. و تلاشت الطائر في اعماق السماء .. مخلفة حمماً سوداء داكنة ممزوجة باللهب تصعد من جوف الارض .. و قبل ان يرسوا المركب الى البر .. قفز شاهين بحركة لا شعورية الى الارض حيث امه جثة هامدة .. تاركاً امتعته داخل المركب .. ثم عانق امه السابحة بدمائها .. -أماه .. ماذا دهاك …؟ – الطائرة المعادية .. قنابل متشظية .. اولاد الكلبة مجرمين .. صهاينة ، ما لنا نحن و الدمار .. اية حرب غاشمة هذه .. لا معامل .. لا اسلحة فتاكة .. لا سدود .. و لا حتى جيوش .. – اني اموت و اتركك انت و الارض .. يا شاهين – لا .. لا .. يا عزيزتي .. لا .. هم قائد المركب العجوز اليهما .. للمساعدة في اسعاف الام .. قالت في حسرة : – دعوني هنا .. على الارض .. لينفذ دمي الى التراب .. سأموت لا محالة .. صرخ شاهين في حرقة : – لا .. قال العم قاسم العجوز : – شظية .. ليست بليغة .. لكن ستعيشي بإذن الله .. قالت الام : شاهين يا بني .. لست خائفة .. و لا حزينة لانني اصبت بقنابل الصهاينة و نزفت ما تبقى من دمي .. ما دامت قطراته تعانق اديم الارض الطاهرة .. اجل روتها … كما هو عرقي طوال السنين المقهورة من عمري .. ليس ثمة ما يهيج احزاني … و لا شيء يبكيني .. سوى انك سترحل و تتركني .. و تتركني …و تترك اخوتك و ارضك فلسطين أ .. ر .. ض .. ن.. ا .. و في ثورة غضب وحشي امام تأوهات آلامها .. ونزيف نجيعها .. يتناول جواز سفره من داخل الحقيبة و يقوم بتمزيقه الى وريقات صغيرة .. هو … و بطاقة الطائرة .. يلعن بكل قصاصة منها تلك اللحظة التي راودته للهجرة .. – الآن ..ليس ثمة ما يبعدني عنك .. ابداً .. – اخوتك امانة في عنقك يا شاهين .. – لا تنطقي هذه الوصية .. فأنا سأبقى ما حييت معك .. قال العم قاسم العجوز بزفرة حرى : – هيا نسعفها الى المشفى .. و تساعدا في نقلها برفق و تؤدة حتى لا تفقد بقايا دمها النازف .. إلا انهما تركاها على ما هي ممدة على الارض عندما كانت تلفظ آخر كلمة تجرها من اعماق اعماقها .. فلسطين … عر .. ب… ي.. ة .. و اغمضت عينيها .
حسين محي الدين سباهي
سورية-القامشلي
VN:F 1.3.1_645
Rating: 0.0/10 (0 votes cast)