29 أبريل, 2009 جدتي تروي الحكاية
يا سادتي عذراً..
وددت لقائكم في ساحة المسرى.
و لكني
هنا ما زلت من زمنٍ ..
أقاسي لوعة المنفى على أرضي .
و تذبحني سنين الدهر إذ مرت
لتطوي في الأسى عمري .
و لكني
أقاتلها بصخرٍ سلّه صبري .
*****
فخلف السلك لي أرضٌ
و لي بيتٌ و لي حقلٌ و لي شمسٌ
و لي بدرٌ و لي كونٌ
صبغت بلونهِ عمري …
بنيت البيت من عرقي.
بطوبٍ ملئه طينٌ
و طوبٍ ملئه حبي…
و لي في البيت أسرارٌ
و لي ذكرى
تخفف من مدى حزني.
سراج البيت لي شمسٌ…
يضيء الروح في جسدي.
و يدفعني بلا عجزٍ
لكي أنساب في فرحي.
و أجرارٌ من الفخار أملئها…
بطيب العيش
قبل الماء من نبعي.
و خبزٌ كنت أصنعه
على الطابون أخبزه.
وأجمعه بخير الأرض زوادة.
وأحملها إلي البيدر.
لألقى في الربا زوجي و أبنائي…
بكدٍ يحرثوا الأرضَ
وحُبٍ يبذروا القمحَ.
لكي تعلوا سنابلها تعانق
قبة المسرى.
زرعناها, بذرنا القمح فيها.
وارتوت تلك السنابلُ
قبل ماء النبعِ من عيني.
وبتنا تحت ضوء البدر يجمعنا
سلام الله في حبٍ…
وأنغامٍ لها ذكرى.
لنغدو مع شروق الشمس ِ
نحصد ما زرعنا في الربا.
لكننا
*****
لم نحصد؛!
و لم نجمع!..
فزعنا قبل أن تصحو
شموس الصبح أو تشرق.
وأشلاءٌ غدا الأحباب يا لهفي.
وآهاتٌ و أحزانٌ..
كست من يومها دهري.
وعاد النهرُ كي يجري..
بلونٍ أحمرٍ قاني.
وترسلها إلى الآفاق..
شمسٌ همهّا حالي…
*****
فلملمنا بقايانا ..
وسرنا حيث لا ندري.
وتدفعنا إلى المجهول..
تدفعنا مدافع.
ويردينا رصاص الغدر..
يردينا بلا وازع.
و صرنا في الدنا حيرى
بلا اسمٍ
بلا بيتٍ
بلا وطنٍ
سوى أنّي أنا اللاجئ.
وتعطف غوثهم حيناً
بأكياسٍ وخيماتٍ..
لتنسينا بها الواقع.
وتبقى أرضنا ثكلى..
ويملكها يهود الغدر
يا لهفي بها قابع.
*****
تحشرج صوتها..
والدمع يهمي.
والقلب كاد من الأسى يسرى.
أطالت صمتها حيناً..
فقلت بلهفتي عودي
وقصي جدتي عودي.
بصوتٍ خافتٍ قالت:
ألا يكفي..
تكلمنا و نادينا و ما
من سامعٍ يصغي…
قضيتنا على رفٍ بخلف
زمانهم رفعت.
ولكني سأحميها وأفديها
وأدفع للثرى عمري.
تعالي يا ابنتي اقتربي..
أنا منها ولكني..
سيرحل يا ابنتي عمري.
خذي هذا بيمناك..
خذي المفتاح وانتظري.
غداً سنعود بالحناء يا وطني.
غداً سنعود يا وطني.
شعر: عائشة عبد الرحمن يونس




