31 مارس, 2009 دوماً أراك
وقف الصباح مغردا فوق الذرا
والنورس الصداح يشدو بالغنا
حملوك نحوي يا حبيبي
لم أصدق ما أرى
وقف الصباح مغردا فوق الذرا
والنورس الصداح يشدو بالغنا
حملوك نحوي يا حبيبي
لم أصدق ما أرى
فى قريتى …
أنا قابِعٌ أتَلَحَّفُ الحُزْنَ الّذى قَهَرَ السّنين ْ
وأصوغُ ألْفَ قصيدَةٍ _ خَرْساءَ _ أنهَكَها الأنينْ
أنا ها هُنا حيث الليالى عذَّبوها ..
والأمانىَ أخْرَسوها ..
حيثُ ذاكَ القلبُ يَنْزِفُ بالحنينْ
تعلن اللجنة الوطنية العليا لإحياء فعاليات القدس عاصمة الثقافة العربية 2009 (لجنة الآداب) بالتعاون مع مؤسسة فلسطين للثقافة عن عقد المسابقة الأدبية البحثية والإبداعية في المسارات التالية:
أولاً : المسار النقدي: أن يتناول البحث النقدي قضية من القضايا الأدبية في الأدب الفلسطيني الحديث متصلة بكفاح الشعب الفلسطيني من أجل تحرير القدس.
صدر هذا الأسبوع أول كتاب عن الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة ألفه أكاديمي بارز في جامعات غزة باللغة الانجليزية وتمت ترجمته إلى اللغة اليابانية , صدر في العاصمة اليابانية طوكيو عن دار سيدوشا اليابانية للنشر وهو عبارة عن مذكرات كتبها البروفيسور سعيد إبراهيم عبد الواحد أستاذ الأدب الإنجليزي والمقارن بجامعة الأزهر بغزة. عن أيام عاشها المؤلف تحت الحصار وكشاهد على الحرب والعدوان على الفلسطينيين في القطاع..
الكتاب بعنوان (الرسالة القادمة من غزة The Message from Gaza ) وقد دون المؤلف بالقلم والصورة تتابعات الحرب الإسرائيلية على غزة (ديسمبر 2008- يناير 2009) والجوانب الإنسانية ومعاناة الشعب الفلسطيني أثناء تلك الحرب… وقامت بترجمة الكتاب من نصوصه الإنجليزية إلى اليابانية البروفيسورة ماري أوكا أستاذة الثقافة الإسلامية والعربية بجامعة كيوتو اليابانية.
وتضمن الكتاب مقدمة، ونبذة عن تاريخ وجغرافيا المكان، ونبذة عن الصراع الإسرائيلي العربي، ثم مقالاً تناول أوضاع قطاع غزة الاجتماعية- الاقتصادية أثناء الحصار الإسرائيلي وقبل الحرب، ثم رسائل بريد الكتروني يومية نقلت معاناة الشعب الفلسطيني، ومشاعره وأحاسيسه أثناء العدوان، ومن قلب الحدث حين وقوعه، وقد كان الوصف منذ اللحظات الأولى للعدوان الإسرائيلي بدءاً من الضربة الجوية وتواصل الغارات يوما بيوم ثم الهجوم البري و التدمير المبرمج وتجريف الأرضي الزراعية وتدمير الصناعة … وحتى الانسحاب من قطاع غزة. واختتم الكتاب بمقال عن المشاعر المختلطة بعد العدوان …
تبدو أهمية الكتاب في إبراز مشاهد ومشاعر الناس العزل الأبرياء ومعاناتهم أثناء الحرب … كما تضمن الكتاب عشرات الصور للدمار الهائل والمأساة التي أحدثها العدوان التقطتها مؤلف الكتاب، وصوراً أخرى بعدسة الصحافي الياباني راي شيبا. والكتاب هو الأول الذي يوثق الحرب على قطاع غزة.
عنوان الكتاب: (الرسالة القادمة من غزة)
المؤلف: البروفيسور سعيد إبراهيم عبد الواحد
المترجم: البروفيسورة ماري أوكا
المحرر: مستر هيشنوما
المصور الفوتوغرافي: راي شيبا
مصمم الغلاف: نوبيوشي كيكوشي
الناشر: دار سيدوشا للنشر (طوكيو – اليابان)
المؤلف وسيرته الذاتية مختصرا:
المؤلف: أ.د. سعيد إبراهيم عبد الواحد
المهنة: أستاذ الأدب الإنجليزي والمقارن – جامعة الأزهر بغزة
المؤلفات: صدر للكاتب اثنان وعشرون بحثاً محكماً في الأدب الانجليزي والأدب المقارن، كما صدر له ستة كتب مترجمة من الإنجليزية إلى العربية والعكس. … وكان منها (قصص من فلسطين) مترجم عن العربية، وكان آخرها كتاب مترجم من الإنجليزي إلى العربية بعنوان (التعبئة في الحركات الإسلامية: الجزائر – فلسطين – الفلبين). … اشترك حالياً مع الدكتورة راشيل رودولف في تأليف كتاب بالإنجليزية بعنوان (هولوكوست غزة). … ومثل كل فلسطيني يعيش في قطاع غزة فقد كابد الهم الفلسطيني واكتوى بأوجاعه على اختلافها، لذا جاءت كلماته من قلب الحدث، وبذلك ومن واقع المعاناة جاء كتابه الجديد (الرسالة القادمة من غزة) الذي صدر في طوكيو مؤخراً … المؤلف حاصل على تكريم عدة مؤسسات ثقافية عربية لإسهاماته الأدبية …
غزة-دنيا الوطن- ماهر إبراهيم
نَهْرُ الشَّهادَةِ فِي ساحاتِنا الْخُضْرِ
قالوا انْتَهى، كَذَبُوا وَالْفَجْرِ وَالْعَصْرِ
نَهْرُ الشَّهادَةِ ما جَفَّتْ مَنابِعُهُ
ما زالَ يَفْهَقُ دَفَّاقًا عَلى الدَّهْرِ
إنْ أُعايشْ ظلَّ آية أَذكرُ اللهَ وآيهْ
عانقَ الأفْقَ اخضرارٌ رَسْمُ ريشٍ بعناية
نرجسيُّ الوجهِ يزهو للهوى أضحى كِناية
كلُّ زهراتٍ بلونٍ رفرفتْ للحسنِ راية
وَنُسيماتٌ شَذاها صارَ للمعتلِّ غاية
وَنُحيلاتٌ تغني لرحيقٍ في عَباية
بِِِصنوفِِ الحبِّ يشدو ِِِ كلُّ طيرٍ بحكاية
حُللٌ .. نسجُ ربيعٍ لوحةٌ صيغتْ رواية
أبدعَ الخلّاقُ رسماً إنَّ حُسنَ الرسمِ آية
إنّ للعمرِ ربيعٌ فاغتنمْ قبلَ النهاية
شعر : م. أكرم صبحي خضر
يستذكر العالم في مثل هذه الأيام الأكذوبة الأمريكية القائلة بتحرير العراق، ونقله إلى مصافّ الدول المتقدمة في العالم، ولعل من الطرائف ما يتداوله أبناء العراق عن المعنى الصحيح للتحرير، وهو "تحرير العراقيين من الحياة" أي موتهم!
وبعد تلك السنوات المتطاولة قتلًا وتدميرًا، يتساءل الجميع: أين أسلحة الدمار الشامل؟ وأين حريات الشعب العراقي؟ وأين الوعود البراقة بنعيم الديمقراطية، وفردوس الحرية؟!
لقد أدرك الشعب العراقي أن الهدف من هذه الحرب الشاملة هو الطمع بثروات العراق، سواء الثروات البشرية، بالقضاء على كفاءاته، والخبرات العلمية والعملية في الشعب العراقي، أو نَهْب خيرات العراق التي لا من نفط وآثار ومعادن، في وطن يكاد يكون آخر مكان تنضب فيه آخر قطرة بترول في العالم!
ومما يُؤَكِّدُ صحةَ ما يتردَّدُ عن أن الهدف هو الاستحواذ على النفط العراقي، ما نشرَتْهُ دراسات أمريكية صادرةٌ عن "إدارة معلومات الطاقة الأمريكية", أنَّ احتياطَ النفطِ العراقِيِّ أكثرُ من200 مليار برميل، والكثير من حقول النفط لم تُسْتَغَلَّ حتى الآن, بينما عدد الحقول المستغلة يسيرٌ جِدًّا، بالمقارنة مع الاحتياط النفطي للولايات المتحدة وكندا، الذي ينفذ بعد عشر سنوات,بينما يتجاوز في العراق 100 عام, لاسيما مع انخفاض كلفة استخراج برميل النفط في العراق بكثير عن بَقِيَّةِ الدول المنتجة للنفط في العالم؛ حيث تصل كلفة الاستخراج في العراق إلى 95سنتًا.
وكانت إدارة معلومات الطاقة الأمريكية قد أصدرت، بالاشتراك مع شركة "بريتش بتروليوم"، دراسةً تُفِيدُ بأن الإنتاج النفطي العالمي عام 1997 قد بلغ 75 مليون برميل في اليوم, وسيصل في عام2010 إلى 94 مليون برميل في اليوم, ويرتفع في عام 2015 ليصل105 مليون برميل في اليوم, وفي عام2020 يصل إلى 115مليون برميل.
وبهذا يكون العراقُ هو الأولَ في قُدْرَتِهِ على تلبية احتياج الأسواق العالمية, وتأتي السعودية، والإمارات، والكويت، وإيران، وفنزويلا، بعده؛ حيث تشير دراساتٌ أَعَدَّتْهَا "هيرالد تريبون" إلى أن آخر برميل نفط في العالم سيكون من العراق, الذي يملك 122 مليار برميل كاحتياطيٍّ نَفْطِيّ، ويُمَثِّلُ 15% من احتياطي النفط العالمي، ولقد سعتِ الكثير من الشركات النفطية الأمريكية إلى دَعْمِ الحرب على العراق، من أجل الاستحواذ على النفط العراقيّ.
ولقد أدرك الشعب الأمريكي هو الآخر، أنّ وراء الحرب على العراق غاياتٍ أخرى، غير الغايات التي أُعْلِنَ عنها؛ من القضاء على الإرهاب، وأسلحة الدمار الشامل!!
فقد قال الصحفي توماس فريدمان" في مقالة عام 2003، نشرتها جريدة "هيرالد تريبون" : ((إنَّ النفطَ هو أحدُ أسبابِ الإعدادِ للحَرْبِ ضِدَّ العراق، وإذا حاول أيُّ شَخْصٍ أن يُقْنِعَنَا بغير ذلك، فإنه قَطْعًا لا يحترم عقولَنَا))!
ثمرات الحرب!
وبعد مرور خمس سنوات.. ماذا جنى العراقيون مِمَّا يُسَمَّى حربَ تحريرِ العراقِ؟
الأرقامُ تَعْكِسُ ما حصده أبناء العراق، والعراقُ من الغَزْوِ الأمريكيِّ على بلدهم؛ حيث وصل عَدَدُ المدنيين الذين قُتِلُوا إلى حوالي المليون ونصف المليون مواطن عراقي, وقد أولتْ جهاتٌ غربيةٌ اهتمامًا بهذا الصدد، ومنها مجلة "لانسيت" البريطانية، التي أشارت إلى أن عدد القتلى في العراق قد تجاوز المليون وربع المليون, ففي بغداد وحدها فقدت 40% من الأسر أحدًا من ذويها، كما أن نسبة 40% من القتلى أُصِيبُوا بالرصاص الأميركي، بينما مات 21% بسبب سيارات مفخخة، و8% قُتِلُوا في غارات جوية، وأودى 4% بسبب صدامات طائفية.
عدد الأشخاص المعاقين أكثر من : 200.000 .
عدد اللاجئين حوالي خمس ملايين لاجئ، منهم ثلاثة ملايين لاجئ في دول العالم المختلفة، وأكثر من مليوني نازح داخل العراق .
عدد الأيتام: 5.000.000
عدد الفقراء: 12.000.000
قنوات الماء النظيف: %35
بيوت ليس لها بنية تحتية: %75
عدد الأشخاص الذين يعانون من نقص في التغذية: 6.200.000
عدد الأشخاص المحتاجين إلى مساعدات عاجلة: 8.000.000
أما البطالة فتتراوح مابين 60 – 70% من أبناء الشعب العراقي.
أما خسائر العراق الاقتصادية فقد بلغت أكثر من 700 مليار دولار، فضلًا عن سرقة آثار العراق؛ حيث تُقَدَّرُ القطع المسروقة بأكثر من 170 ألف قطعة أثرية.
أما عدد المعتقلين، فقد صرح مسئول في القوات الأمريكية بأنَّ عددَ الْمُحْتَجَزِينَ الموجودين في سجون الاحتلال الأمريكي 23 ألفًا وتسعمائة شخص، منهم ثلاثة آلاف وخمسمائة في معسكر كروبر بالقرب من مطار بغداد، وعشرون ألفًا وأربعمائة سجين في معسكر بوكا جنوبِيَّ البلاد، ويضم هذا العدد 620 طفلًا.
في حين تُؤَكِّدُ مصادر من المعتقلين المفرج عنهم من سجن بوكا وحده، أن هذا السجن وحده يضم أكثر من أربعة وعشرين ألفَ معتقل، ناهيك عن السجون الأخرى!
وفي هذا الخصوص، قالت ممثلة اتحاد الأسرى والسجناء السياسيين العراقيين، سحر الياسري: إن عدد المعتقلين العراقيين يصل إلى أربعمائة ألف معتقل، منهم ستة آلاف وخمسمائة حدث، وعشرة آلاف امرأة, ولكن لا توجد إحصائية عن عدد السجون؛ لأنها تتزايد حينًا بعد حينٍ؛ إذ تعكف القوات الأمريكية على المواظبة على فتح سجون أمريكية في مختلف أنحاء العراق، بَعْضُهَا مُعْلَنٌ عنه، والآخر غير معلن عنه!
لكنّها تؤكد وجود 36 سجنًا رَسْمِيًّا، عدا أبو غريب, وقدرتِ الياسري أنّ العراق سيصبح صاحبَ أكبرِ عَدَدٍ مُمْكِنٍ من السجون والمعتقلات، فإلى جانب سجون الجيش الأميركي، هناك سجونٌ أخرى للحكومة العراقية، ووزارة الداخلية، ووزارة الدفاع، ووزارة الأمن القومي، والمخابرات، وكذلك السجون الخاصة بالأحزاب السياسية.
فأما عدد المعتقلين عند القوات العراقية، فالأرقام التقريبية تشير إلى 200 ألف معتقل بسجون وزارتي الداخلية والدفاع، ناهيك عن السجون السرية.
وأما خسائر العراق نفطيًّا، فقد أكّد خبيرٌ نفطي عراقِيٌّ حَجْمَ خسائر النفط العراقي؛ حيث إن البلاد تخسر نحو 18 مليار دولار من أموال النفط سنويًّا، نتيجةَ التهريب، والتخريب، وضياع الفرص.
وأضاف الخبير أنّ معدل الإنتاج النفطي العراقي يبلغ حاليًا نحو 2 مليون برميل يوميًّا، بينما كان قبل الغزو نحو 2.6 مليون برميل يوميًّا، والسبب في هذا الخفض الكبيرِ هو ما تم من نهب للمنشآت البترولية في الأيام الأولى بعد الحرب، وما تبع ذلك من عمليات التخريب المستمرة، مع عدم توفير الأموال اللازمة لإعادة تأهيل الصناعة، والفوضى التي تدُبُّ حاليًا في وزارة النفط، نتيجةَ التسلط الحزبي والطائفي عليها.
وأشار الخبير إلى أن ضياع 600 ألف برميل يوميًّا مسعرةً بـ50 دولارًا للبرميل، يعني خسارة 11 مليار دولار سنويًّا، كان من المفروض أن يحصلها العراق من وارداته النفطية, فلقد كانت نسبة إنتاج النفط قبل الحرب تصل إلى قرابة مليوني برميل في اليوم، بينما انخفضت الآن إلى 500 ألف برميل يوميًّا.
وإلى جانب التدهور الذي تسبب في انخفاض في مستوى الدخل، فإن الرشوة في بغداد قد خَفَّضَتْ من جملة ثروات البلد، وجعلتِ الشعب في حالةٍ لا ينتظر فيها أيَّ عائدات من الدولة؛ لأن هناك اتجاهًا نحو سرقة النفط بمليارات الدولارات التي لم يتم إحصاؤها أبدًا.
ولم يكن العراق وحده هو الذي تعرض للخسارة جراء هذه الحرب؛ فقد أكَّدَ بحثٌ صدر للباحِثَيْنِ الاقتصادِيَّيْنِ جوزيف ستيغليتز، الحائزِ على جائزة نوبل للاقتصاد، وليندا بيلمس، الْمُحَاضِرَةِ في جامعة هارفارد، في كتابٍ بعنوان "حرب الـ3 تريليونات دولار"، أنّ الحرب كلَّفَتْ أمريكا أكثرَ من ثلاثة تريليونات دولار، فقد بلغ حجم الإنفاق الأمريكيّ على الحرب في العراق، 12 مليار دولار شَهْرِيًّا.
بينما تُقَدَّرُ الخسائر البشرية- حسب المصادر الأمريكية- بأكثرَ من خمسة آلاف قتيل، وعددٍ
كبيرٍ من الجرحى والمعوقين.
بقللم: سارة علي – بغداد
كنا فتيةً نعيش في بحبوحة تقترب من الترف، قبل أن تقع كارثة النكبة التي أخرجتنا من بيوتنا وبلدنا إلى شتات العالم، تساءلنا "أنا وأخوتي" بكثير من الدهشة ماذا يعني جديّ عندما قال: كيف أصبح والدنا محامياً.؟
وكيف يصبح أيّ كان إلى ما يصبح عليه، سواء إلى مركز مرموق اجتماعياً، أو إلى أي شيء آخر.!
لم نستطع أن ندرك ما يرمي إليه جدّي، وكان علينا أن ننتظر بلهفة مساء اليوم التالي.
أخذ جدّي مجلسه على أريكته المفضّلة بعد عودته من المسجد، يضمّ سبّحته الزيتونية بين راحتيه، ويصلح وضع عباءته المشمشية على كتفيه، ولحيته البيضاء كأنها عقود من الفضّة.
رشف من كأس الشاي، وابتسم، بعد أن بسمل ونحن ننتظر أن يبدأ الحديث.. قال:
ـ لم تكن حياتنا ومعيشتنا في عكا سهلة بعد أن شغلتنا أمور الحروب، "الأتراك، والحرب العالمية، والإنجليز" فقد استنزفت رجالنا، وخيراتنا، وثرواتنا، وقلّ المال بين أيادي الناس، وكلّ يسعى ويفتش ويناضل من أجل تحصيل رزقه ورزق عياله، وكنت أنا في موقع المسؤول عن أسرة كبيرة في تلك الأوقات الصعبة.
سكت قليلاً، وكأنني لاحظت بريقاً في عينيه، لكنه مسح على لحيته وتابع:
ـ كان والدكم مجتهداً في المدرسة، يحب التعليم، ويكافح، وسط ظروفنا الحياتية الصعبة ليوّفر لنفسه ما يرفع عني قليلاً من العبء، يشتغل في عطل المدارس الصيفية في أيّ عمل يتاح له، ويدرس، وينجح، إلى أن جاء يوم يطلب مني السماح له بالسفر إلى القدس ليتابع الدراسة في معهد الحقوق.
تهدج صوته، نظرنا إليه، فلاحظت دمعتين تتدحرجان على وجنتيه.. لكنه تماسك وتابع يقول:
ـ لم أكن في وضع يسمح لي بمزيد من التكاليف والمصاريف، وأنا أعلم أن الدراسة في القدس تحتاج إلى مصاريف كثيرة، للسكن ورسوم التسجيل في المعهد الخاص، والكتب….. الخ، وقد فرضت عليّ ظروفي التي أعرفها جيداً أن أرفض طلبه، وتمنيت عليه لو يبقى في عكا ويساعدني في الدكان، لكنه أصرّ عليّ في الطلب، وقال بأنه لن يشكل أي عبء إضافي عليّ، بل سيتكفّل بأمر نفسه.. خلاصة القول أعطيته عدداً من "تنكات" الزيت ليبيعها في القدس ويتصرف بثمنها، وهي أقصى ما أستطيع أن أقدمه له.
تبادلنا نظرات استغراب، ونحن نتصوّر تلك الحال، وذلك الوضع.. نظر جدّي في وجوهنا طويلاً، ثم ألقى بالسبّحة في حضن عباءته المشمشية، وتابع يقول:
ـ في القدس استطاع أن ينجح في امتحان الانتساب، سبر المعلومات "الصعب"، وأن يدخل طالباً إلى معهد الحقوق، وقد تدبّر أمر السكن في غرفة صغيرة بين عائلة مقدسية بأجرة زهيدة، كان يشتري رغيف خبز، وقطعة جبن، يقسّمها إلى قسمين، تكفيه طعاماً ليوم كامل، الأمر الأهم هو كيف كان يتدبر ثمن الرغيف والجبن.؟
تلهفنا لسماع تتمة الحكاية، ولم نبد حراكاً، فتابع يقول:
ـ الطلاب في المعهد من أبناء الأثرياء من الفلسطينيين، والعرب من دول مجاورة، والكتب والمراجع كانت شحيحة جداً في ذلك الوقت، ما أوحى لوالدكم بفكرة سرعان ما اشتغل عليها، كان يكتب المحاضرات مباشرة، يلتقطها كلمة كلمة من فم الأساتذة المحاضرين، أو يستعير النسخ المكتوبة من الأساتذة، ويمضي الليل بطوله ينسخها عدداً من النسخ ليبيعها في اليوم التالي للطلاب، فيتهافتون على شرائها.
مسح جديّ على لحيته، فبدت أكثر بياضاً وإشراقاً، ثم فرد يديه، وضحك بصوت مسموع وأردف:
ـ كان ينسخ المحاضرة مرات ومرات، وكلما زاد من عدد النسخ، ازداد دخله، (ولست أنسى كيف كان يأتي لنا "أنا وأمه وأخوته" في كل زيارة ببعض هدايا من القدس، ويحرص على تقديم القليل من القروش التي يوفّرها لأخوته)، الأمر الطريف الآخر وقد يكون الأهم أنه ومن كثرة تكرار النسخ، كانت المحاضرات تستقر في ذهنه، ويكاد يحفظها عن ظهر قلب، وينجح بامتياز العام بعد العام، ليصبح بعد التخرج، المرشح الوحيد لإكمال تحصيله العلمي في جامعة عين شمس في مصر على نفقة الجامعة.
سكت جدي ينظر إلى وجوهنا المدهوشة، وقد استشف من نظراتنا ودهشتنا، أننا أدركنا جميعاً كيف أصبح والدنا محامياً.
بقلم: عدنان كنفاني
عمان – قامت وزارة الثقافة الأردنية مؤخراً؛ بالموافقة على طلب التأسيس الذي تقدمت به مجموعة من المدونين لغايات إنشاء هيئة ثقافية تحمل اسم (جمعية المدونين الأردنيين) . وبذلك يكون الأردن أول دولة في العالم تفتح الباب للمدونين لتأسيس جمعية خاصة بهم ، و لتكون هذه الجمعية هي الأولى من نوعها ،
مرّت بقلبي نسمةٌ
سكبت على جنباته عطر الهوى
قالت: " إليك رسالةٌ
حُمّلتُها
من قلب صبٍّ هائمٍ
سكب الدموع جداولاً
وبراه حبك والنوى"